ومما في هذا المعنى أيضا قول القائل : أعطيت فلانا كذا عن
ظهر يد أي عن امتناع وقوة ولم أعطه عن خيفة وذلة . هذا المعنى
ضد قوله سبحانه حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون . فكأن
خلع لفظ الظهر من الكلام غير المعنى . والمراد بذلك هاهنا على الأظهر
من التأويلات التي ذكرناها في كتاب مجازات القرآن أن
يكون حتى يعطوا الجزية عن قهر وذلة وخيفة ورقبة . فهو نقيض
قول القائل : أعطيته عن ظهر يد أي عن اختيار ومشيئة واستظهار
قوة ( 1 ) . 45 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " اللهم إني
أحمدك على العرق الساكن ( 2 ) والليل النائم ( 3 ) " ، ووصف الليل
هامش
( 1 ) ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث تشبيه بليغ ، حيث شبه الغنى في القوة بالظهر الذي يركبه الانسان
فيمنعه المعاطب وينجو عليه من المخاوف ، وهو من إضافة المشبه به إلى المشبه
على حد قولهم : ذهب الأصيل ولجين الماء ، أي الأصيل الذي كالذهب والماء الذي كاللجين
وهنا الغنى الذي كالظهر فحذفت الأداة ووجه الشبه وأضيف المشبه به للمشبه .
( 2 ) المراد بالعرق الساكن : الطمأنينة وعدم الازعاج ، لان العروق يكون
جريان الدم فيها طبيعيا ؟ إذا كان القلب طبيعيا ، والقلب يتأثر نبضه ودفعه الدم
في العروق ، بالخوف وبالحزن ، وبالخجل وبالألم ، وبالمرض . وعلى العموم يتأثر
بتأثر حواس الانسان فإذا لم يحدث للانسان إزعاج فعرقه ساكن ، أما إذا أزعج
أو تأثر فإن القلب يدفع الدم بشدة في العروق فيظهر أثر ذلك في العروق بالارتفاع
والانخفاض ، فلا يكون ساكتا في نظر من يراه .
( 3 ) أي النائم صاحبه لان الليل لا ينام وإنما ينام فيه الانسان ، وحمد الرسول
صلى الله عليه وسلم ربه على نوم الليل لأنه لا ينام إلا خالي البال الهادئ المطمئن
غير المنزعج وغير المتألم .