ومن ذلك قوله : القائل ضربت بعض بنى فلان ببعض إذا ألقى بينهم
حربا يختلطون فيها ، أو عداوة يتناوشون عليها ، ونظير ذلك الخبر
مروى عنه عليه الصلاة والسلام وهو قوله : أبهذا أمرتم أن تضربوا
كتاب الله بعضه ببعض : أي أن تجعلوا حرامه حلالا ، وحلاله
حراما ، فكأنكم قد خلطتموه ، فجعلتم أعلاه أسفله ، ومفهومه
مبهومه ( 1 ) .
280 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " الأيدي
ثلاث : فيد الله العليا ، ويد المعطى بلغ قبالا ( 2 ) الوسطى ،
ويد السائل السفلى " . وقد مضى هذا الخبر فيما تقدم إلا أن فيه
هاهنا زيادة لأجلها أعدنا الكلام عليه ، وهي قوله عليه الصلاة والسلام
فيد الله العليا . وهذا القول مجاز ، ويد الله سبحانه هاهنا نعمته ،
وهي أعلى النعم لأنها أصل لها وأم لجميعها ، لان كل من أعطى عطاء
هامش
( 1 ) المبهوم : الذي لا يدرى أوله من آخره ، أو الذي لا يدرى من أي مكان
يوصل إليه .
ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث استعارة تبعية ، حيث شبه خلط القلوب بعضها ببعض وعدم التمييز
بينها بضربها بعضها ببعض ، بجامع الاختلاط في كل . لان ضرب الشئ ،
بالشئ يصله به ويخلطه ، واشتق من الضرب بمعنى الخلط ، ضرب بمعنى خلط ،
على طريق الاستعارة التبعية .
( 2 ) القبال : بضم القاف : الناصية ، وقبال كل شئ أوله ، والمراد بقوله
بلغ قبالا : أي بلغ درجة من الارتفاع والعلو محدودة فكانت يده الوسطى لأنها
لم تبلغ النهاية في العلو .