271 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام لأصحابه :
" لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليلحينكم
الله كما لحيت عصاي هذه " لعود في يده . وفي هذا الكلام موضع
استعارة ، وهو قوله عليه الصلاة والسلام : ليلحينكم الله ، والمراد
ليتنقصنكم الله في النفوس والأموال ، وليصيبنكم بالمصائب العظام
فتكونون كالأغصان التي جردت من أوراقها ، وعريت من ألحيتها ( 1 )
وألياطها فصارت قضبانا مجردة وعيدانا مفردة ، وهم يقولون لمن
جلف ( 2 ) الزمان ماله ، أو سلبه أولاده وأعضاده ( 3 ) ، قد لحاه الدهر
لحى العصا ، لان ما كان ينضم إليه من ولدته ( 4 ) وحفدته ، ويسبغ
عليه من جلابيب نعمته ، بمنزلة اللحاء للقضيب ، والورق
للغصن الرطيب ، فإذا أخرج عن ذلك أجمع ، كان كالعود العاري ،
هامش
( 1 ) الألحية : جمع لحاء ، وهو قشر الشجرة ، وفي قشرها قوة لها ، فإذا
زال القشرة تعرض جسمها الداخلي لعوامل الجو فتؤثر فيها ، والألياط : جمع ليطة ،
وهي قشر القصبة والعود من الخشب ونحوهما ، فهي بمعنى لحاء .
( 2 ) جلف الزمان ماله : أصل جلف قشر مثل لحا ، والمراد هنا ذهب الزمان
بماله ، شبه إذهاب الزمان للمال بتقشير العود ونحوه ، لان القشر ساتر وذهاب
المال ذهاب للستر . ومثل ذلك الأولاد والأعضاد ، لان فيها قوة كما أن في القشر
قوة للعود ، ويمكن تجربة ذلك في عود القصب إذا حاولت كسره قبل تقشيره كان
صعبا ، فإذا قشرته وحاولت كسره انكسر بسهولة .
( 3 ) الأعضاد : جمع عضد ، بوزن رجل وكتف ، هو ما بين المرفق إلى
الكتف ، والانسان يستعين بعضده ويقوى به ، والمراد هنا الأنصار والمساعدون
تشبيها بالأعضاد .
( 4 ) الولدة : جمع ولد ، والولد يطلق على المفرد والجمع .