منقطعا من رفقته ( 1 ) ، ومنفردا عن صحابته ، فتحسر ( 2 ) مطيته ،
ولا يقطع شقته ( 3 ) . وهذا من أحسن التمثيلات ، وأوقع التشبيهات .
ومما يقوى المراد بهذا الخبر ما كشفناه من حقيقة الخبر الآخر عنه
عليه الصلاة والسلام ، وهو فيما رواه بريدة بن الحطيب الأسلمي
قال : قال عليه الصلاة والسلام : " عليكم هديا قاصدا ( 4 ) فإنه من
يشاد ( 5 ) هذا الدين يغلبه ( 6 ) " .
206 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " إذا سافرتم
هامش
( 1 ) أي سابقا لهم بسبب اسراعه .
( 2 ) تحسر مطيته : أي تتعب .
( 3 ) لا يصل إلى غرضه .
( 4 ) الهدى : بفتح الهاء وكسرها مع سكون الدال : الطريقة والسيرة ،
والقاصد : المستقيم ، والمراد به هنا الزموا طريقا قصيرا في الوصول إلى أغراضكم ،
ومن ذلك قوله تعالى : " لو كان سفرا قاصدا لا تبعوك " أي سفرا قصيرا .
( 5 ) في الطبعتين السابقتين على هذه الطبعة ، يشار : يفاعل من الشر . وأصل
المعنى يقابل الشر بالشر ، والمراد هنا من يجالد الدين يغلبه الدين ، والمعنى الأول هو
الذي ذكره الأستاذ محمود مصطفى في تعليقه على الطبعة الثانية لهذا الكتاب ، ولفظ
يشار محرف والصحيح يشاد بالدال بدل الراء ، بدليل الرواية الأخرى لهذا الحديث
" إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه " والمشادة مفاعلة من الشد
وهو الجذب ، كما يشد شخصان حبلا بينهما لاختبار قوتهما ، فالقوى يجذب الضعيف
ناحيته ويغلبه ، فكذلك الدين يغلب من يقاويه ، ويحاول فعل جميع فروعه .
( 6 ) ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث استعارة تبعية في " متين " ، حيث شبهت شدة أوامر الدين ونواهيه
بالمتانة ، بجامع عدم القدرة على الاجتياز في كل ، واشتق من المتانة بمعنى الشدة ،
متين بمعنى شديد على طريق الاستعارة التبعية .