بسم الله الرحمن الرحيم
189 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " ما أذن ( 1 )
الله لشئ كأذنه لنبي يتغنى بالقرآن " وهذا القول مجاز ، والمراد
ما استمع الله لشئ كاستماعه لنبي يداوم تلاوة القرآن ، فيجعله دأبه
وديدنه ، وهجيراه ( 2 ) وشغله ، كما يجعل غيره الغناء مستروح ( 3 )
حزنه ، ومستفسح قلبه ، ليس أن هناك غناء به على الحقيقة . وهذا
كما يقول القائل : قد جعل فلان الصوم لذته : والصلاة طربته ، إذا
أقامهما مقام شغل غيره باللذات ، وطربه إلى المستحسنات . وقد قيل
إن المراد بذلك تحزين القراءة ليكون أشجى للسامع ، وآخذ بقلب
العارف ، فسمى هذه الطريقة غناء على الاتساع لأنها تقود أزمة
القلوب ، وتستميل نوازع النفوس . وإلى ذلك ذهب عليه الصلاة
والسلام بقوله : " زينوا أصواتكم بالقرآن " في الحديث آخر .
وليس المراد بذلك تلحين القراءة وتطريبها ، فإن الاخبار قد وردت
بذم هذه الطريقة ، حتى ذكر عليه الصلاة والسلام في أشراط الساعة
أمورا عددها ، ثم قال : وأن يتخذ القرآن مزامير . وقال بعضهم :
هامش
( 1 ) أذن كفرح : استمع للشئ معجبا به والاذن كالفرح : الاستماع بإعجاب
وعلى ذلك فتضبط " كأذنه " بفتح الهمزة والذال لا بكسر الهمزة وسكون الذال ،
خلافا لما ذهب إليه الأستاذ محمود مصطفى .
( 2 ) الهجيري : العادة .
( 3 ) المستروح : مصدر بمعنى الراحة والمستفسح مصدر بمعنى الفسحة .