مقام المطيع لامره ، والمتصرف على حكمه . وقد بين عليه الصلاة
والسلام ذلك في خطبة له ، فقال : " وإياكم والبخل فإنه أهلك
من كان قبلكم . أمرهم بالقطيعة فقطعوا ، وأمرهم بالفجور
ففجروا " فبين عليه الصلاة والسلام كيف يكون البخل آمرا مطاعا
وقائدا متبوعا . وهذه أيضا استعارة أخرى لان البخل على الحقيقة
لا يكون آمرا ناهيا ، ولا قائدا مخاطبا . والمراد بقوله عليه الصلاة
والسلام : " أمرهم بالقطيعة فقطعوا " أن البخلاء يضنون بمالهم
على أهل الحاجة من أقربائهم ، وأولى الخلة ( 1 ) من ذوي أرحامهم ،
فيكونون بذلك قاطعين للرحم : القريبة ، وعاقين لأعراق الوشيجة ( 2 )
والمراد بقوله عليه الصلاة والسلام : وأمرهم بالفجور ففجروا "
أن البخل حسن لهم منع الأموال من الانفاق في الحقوق ،
وإسلاكها ( 3 ) سبل المعروف ، فأجرى عليهم لهذه الحال اسم
الفجور ( 4 ) .
هامش
( 1 ) الخلة : الفقر والاحتياج ، وأصلها الثقبة في الشئ ، وشبهت بها الحاجة
في كونها نقصا في الانسان .
( 2 ) الوشيجة : الصلة والقرابة ، وأصل الوشيجة عرق الشجرة ، شبهت
بها القرابة في كونها توصل المودة كما توصل عروق الشجرة الغذاء .
( 3 ) أي إدخالها طرق المعروف .
( 4 ) ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث استعارة تبعية ، حيث شبه سير الانسان على طبيعة البخل فيه بعدم
إنفاق المال بإطاعة البخل ، ويتضمن ذلك تشبيه البخيل بالمرؤوس ، والبخل
بالرئيس أو بالجندي والأمير ، واشتق من الإطاعة مطاع بمعنى مسير على نهجه على
سبيل الاستعارة التبعية .