دائب يدنيه إلى الحقيقة ، حقيقة الانحراف عن آل محمّد ، حتّى يكون أمامها وجها لوجه ، يسمع همسها هناك في الصدر الأوّل ، وهي تتسارّ وراء الحجب والأستار ، وتدبّر الأمر في اصطناع هذا « الداهية الظلوم الأموي » اصطناعا يطفئ نور آل محمّد ، أو يحول بينه وبين الامّة .
نعم ، أدرك الرأي العامّ - بفضل الحسن والحسين وحكمة تدبيرهما - كلّ خافية من أمر الامويّة وأمور مسدّدي سهمها على نحو واضح .
أدرك - فيما يتّصل بالامويّين - أنّ العلاقة بينهم وبين الإسلام إنّما هي علاقة عداء مستحكم ، ضرورة أنّه إذا كان الملك هو ما تهدف إليه الامويّة ، فقد بلغه معاوية ، وأتاح له الحسن ، فما بالها تلاحقه بالسمّ وأنواع الظلم والهضم ، وتتقصّى الأحرار الأبرار من أوليائه لتستأصل شأفتهم وتقتلع بذرتهم ؟ !
وإذا كان الملك وحده هو ما تهدف إليه الامويّة ، فقد أزيح الحسين من الطريق ، وتمّ ليزيد ما يريد ، فما بالها لا تكفّ ولا ترعوي ، وإنّما تسرف أقسى ما يكون الإسراف والإجحاف في حركة من حركات الإفناء على نمط من الاستهتار ، لا يعهد في تاريخ الجزّارين والبرابرة ؟
أمّا ما أنتجته هذه المحاكمة لأولي الألباب ، فذلك ما نترك تقديره وبيانه للعارفين بمنابع الخير ، ومطالع النور في التاريخ الإسلامي ، على أنّا فصّلناه بآياته وبيّناته في مقدّمة المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة ، فليراجع .
ولنكتف الآن بالإشارة إلى ما قلناه في التوحيد بين صلح الحسن وثورة الحسين ، والتعاون بين هذين المظهرين على كشف القناع عن الوجه الأموي المظلم ، والإعلان عن الحقيقة الامويّة ، فأقول عودا على بدء : كانت شهادة الطفّ حسنيّة أوّلا ، وحسينيّة ثانيا . وكان « يوم ساباط » أعرق بمعاني الشهادة والتضحية من « يوم الطفّ » عند من تعمّق واعتدل وأنصف .
موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين — صفحة صلح الحسن ع 15
مساهمون: السيد عبد الحسين شرف الدين
صصلح الحسن ع ١٥