ومن أمعن فيما اشتمل عليه هذا الكتاب من أحوال الحسن ومعاوية ، علم أنّهما لم ترتجلهما المعركة ارتجالا ، وإنّما كانا في جبهتيهما خليفتين ، استخلفهما الميراث على خلقين متناقضين : فخلق الحسن إنّما هو خلق الكتاب والسنّة ، وإن شئت فقل خلق محمّد وعليّ ، وأمّا خلق معاوية فإنّما هو خلق الامويّة ، وإن شئت فقل : خلق أبي سفيان وهند ، على نقيض ذلك الخلق .
والمتوسّع في تاريخ البيتين وسيرة أبطالهما من رجال ونساء يدرك ذلك بجميع حواسّه .
لكن لمّا ظهر الإسلام ، وفتح اللّه لعبده ورسوله فتحه المبين ، ونصره ذلك النصر العزيز ، انقطعت نوازي الشرّ الأموي ، وبطلت نزعات أبي سفيان ومن إليه مقهورة مبهورة ، متوارية بباطلها من وجه الحقّ الذي جاء به محمّد عن ربّه عزّ وجلّ ، بفرقانه الحكيم ، وصراطه المستقيم ، وسيوفه الصارمة لكلّ من قاومه .
وحينئذ لم يجد أبو سفيان وبنوه ومن إليهم بدّا من الاستسلام ، حقنا لدمائهم المهدورة يومئذ لو لم يستسلموا ، فدخلوا فيما دخل فيه الناس وقلوبهم تنغل بالعداوة له ، وصدورهم تجيش بالغلّ عليه ، يتربّصون الدوائر بمحمّد ومن إليه ، ويبغون الغوائل لهم . لكنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم كان - مع علمه بحالهم - يتأ لّفهم بجزيل الأموال وجميل الأقوال والأفعال ، ويتلقّاهم بصدر رحب ومحيّا منبسط ، شأنه مع سائر المنافقين من أهل الحقد عليه ، يبتغي استصلاحهم بذلك .
وهذا ما اضطرّهم إلى إخفاء العداوة له ، يطوون عليها كشحهم خوفا وطمعا ، فكاد الناس بعد ذلك ينسون الامويّة حتّى في موطنها الضيّق مكّة . أمّا في ميادين الفتح بعد رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ، فلم تعرف الامويّة بشيء ، سوى أنّها من أسرة النبيّ ومن صحابته .
موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين — صفحة صلح الحسن ع 5
مساهمون: السيد عبد الحسين شرف الدين
صصلح الحسن ع ٥