[ خلق أفعال العباد ]
فصل : في أفعال العباد
قال الشيخ أبو جعفر - رحمه الله - أفعال العباد مخلوقة خلق تقدير لا خلق
تكوين
، ومعنى ذلك أنه تعالى لم يزل عالما بمقاديرها ( 1 و 2 ) .
قال الشيخ أبو عبد الله - رحمه الله - : ( 3 ) الصحيح عن آل محمد صلى الله
عليه وآله وسلم : أن
أفعال العباد ( 4 ) غير مخلوقة لله تعالى ، والذي ذكره
أبو جعفر - رحمه الله - قد جاء به
حديث غير معمول به ولا مرضي الاسناد ،
والأخبار الصحيحة بخلافه ، وليس
يعرف في لغة العرب أن العلم بالشئ هو خلق
له ، ولو كان ذلك كما قال
هامش
( 1 ) الاعتقادات ص 29 .
( 2 ) عنه في البحار 5 : 19 / 29 . وراجع معاني الأخبار 396 ، بحار الأنوار 5 :
30 الحديث
37 و 38 .
( 3 ) تبع الشيخان الجليلان جمهور المتكلمين في إفراد بحث الجبر عن بحث خلق
الأفعال ، وعن
مبحث الهدى والضلال ، مع أن الجميع فروع من نظرية الجبر ومن
فاز بحل مشاكل هذه الأخيرة
فاز بالنجاة من صعوبات البقية . ش .
( 4 ) إن لهذا البحث وبيان المقصود منه تقريرا من وجهين : كلامي ، ونفسي ، أما
النفسي - وهو المقصود
لدى الفلاسفة وعلماء التربية - فهو أن الإنسان في أفعاله
- وفي مقدمتها الطلب والإرادة - هل
هو حر مختار ومستقل في إيجاد أفعاله ؟ أو
هو مجبور باقتضاء العوامل الأخرى المتصرفة فيه من
الداخل والخارج ؟ فإن
اختلاف التربية والتهذيب يؤثران بالحس والتجربة على الإنسان في
اختلاف
إرادته ومطالبه وتكييف أحواله وإصدار أعماله ، وهذا البحث يختلف عن
المبحث الكلامي الآتي ذكره اختلافا واضحا وإن خفي على الجمهور .
وأما البحث الكلامي - وهو المبحوث عنه لدى علماء الكلام وزعماء الطوائف
الإسلامية ، ولا
يزالون مختلفين فيه - فهو أن الإنسان - وإن بلغ رشده وأشده
وخوطب بالتكاليف الإلهية - هل
هو مختار في أفعاله ، حر في إرادته ، مستقل
في الطلب ؟ أو أن الله تعالى هو الخالق في الحقيقة
لجميع ما يصدر من الإنسان
في الظاهر ، وهو كآلة صماء في أداء ما يجري على يديه من أفعال
خالقه ، فعلى
هذا يكون الإنسان فاعلا بالمجاز في كل ما ينسب إليه من أفعاله مباشرة ، وإنما
يكون المنسوب إليه حقيقة هو الله تعالى وحده ، وهذا الوجه يشترك مع الوجه
السابق عليه في
سلب اختيار العبد واضطراره في أفعاله طرا ، وهما بناء
عليه يستلزمان الجبر معا ، ويسمى البحث
الكلامي بحث الجبر الديني ، كما
يسمى البحث النفسي بحث الجبر التكويني ، والفرق بينهما
يبدو من وجوه أهما
أن المنسوب إليه في الجبر الديني إنما هو الله وحده ، وهو الذي أمر
بالحسنات ويثيب بحسبها ، وهو الذي نهى عن السيئات ويعاقب عليها ، وفي
صورة كهذه
يصعب جدا تصور الإيمان بعدالة من أجرى على يديك السيئات وهو
في نفس الوقت مؤاخذك
بها ومعاقبك عليها ، نعم إن الجبر التكويني يقضي
أيضا باضطرار العبد فيما يأتيه ، غير أنه يجعل
مصادر الحسنات والسيئات غير
مصدر الثواب والعقاب . ش .