[ نفخ الأرواح ] ( 1 )
أبو جعفر - رحمه الله - في قوله تعالى : ( ونفخت فيه من روحي ) ( 2 ) فقال :
هي روح مخلوقة أضافها إلى نفسه كما أضاف البيت إلى نفسه وإن كان خلقا له .
هامش
( 1 ) الاعتقادات ص 23 .
( 2 ) قوله تعالى : ( ونفخت فيه من روحي ) ( الحجر : 29 ) لا يسع الناس حتى المجسمة المشبهة
والظاهرية أن يجمدوا على ألفاظ ( نفخت فيه من روحي ) دون أن يتأولوا المجاز فيها ، لأن النفخ
الشائع بالهواء إن جوزوه على الآلات أو من الآلات فلن يجوزه على الروح أو من الروح أحد حتى
الحشوي الجهول ، وإذا تعذرت الحقيقة فأنسب المجازات اتخاذ النفخ استعارة عن الحركة
التدريجية المحسوسة في نمو الإنسان تشبيها لها بحركة الجراب
المنفوخ أو نحوه فيه ، فالتشابه
بين نمو الإنسان وبين الحركة التدريجية المحسوسة في الجراب المنفوخ يسوغ استعارة لفظ النفخ
لمعنى نمو الجسد المحسوس من ولوج الروح فيه ، فترى القرآن يصور نمو الإنسان من محرك خفي
في داخله أعني الروح الشبيهة بحركة الجراب من محرك خفي في داخله أعني الريح ،
ولكن بتصوير بليغ في لفظ وجيز .
أما الروح فهي بمعناها الشائع وغنية عن كل تأويل ، والغرض منها الإشارة إلى نمو الإنسان
في بدء أمره بواسطة الروح غير أن المهم هو كشف السر عن سر إضافتها إلى الله تعالى ، فإن
الإضافات تختلف وجوه الاعتبارات فيها حسب اختلاف المضافات ، فالخلق عبيد الله باعتبار
رقيتهم له ، والرقية من أظهر صفات العبيد ، والأنبياء سفراء الله باعتبار إبلاغهم أحكام الخالق
إلى الخلائق ، وهذا التبليغ من أظهر صفات السفراء ، والكعبة بيت الله باعتبار اجتماع المسلمين
فيها كإخوة ، ومن أظهر مزايا البيت جمع شمل الإخوة والعائلة ، والمسيح روح الله باعتبار ظهور
الكمالات الملكوتية فيه ، ومن أظهر صفات الروح أنها مرآة كمالات الملكوت .
إذن فالروح تستحق الإضافة إلى الله بهذا الاعتبار ، إذ هي مرآة كمالات الملكوت والمظهر الأتم
لكمالات الرب وأسراره الغيبية ، وهذه الوجوه أرضى من أوجه الشيخين الجليلين . ش .