[ تأويل اليد ]
فصل :
ومضى في كلام أبي جعفر - رحمه الله - شاهد اليد عن القدرة قوله تعالى :
( واذكر عبدنا داود ذا الأيد ) ( 1 ) فقال : ذو القوة ( 2 ) .
قال الشيخ المفيد - رحمه الله - : وفيه وجه آخر وهو أن اليد عبارة عن
النعمة ، قال الشاعر :
له علي أياد لست أكفرها * وإنما الكفر ألا تشكر النعم
فيحتمل أن قوله تعالى : ( داود ذا الأيد ) يريد به ذا النعم ، ومنه قوله تعالى
:
( بل يداه مبسوطتان ) ( 3 ) يعني نعمتيه العامتين في الدنيا والآخرة .
هامش
( 1 ) ص : 17 .
( 2 ) الاعتقادات ص 23 ، مجمع البيان 4 : 469 ، التوحيد : 153 / 1 .
( 3 ) قوله تعالى : ( بل يداه مبسوطتان ) هي الآية الرابعة والستون في سورة
المائدة ، وتمامها : ( وقالت
اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما
قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ) . . . إلخ ،
استعارة أسماء الجوارح
للمعاني والمجردات سائغة وشائعة كقوله تعالى : ( أو يعفو الذي بيده
عقدة
النكاح ) البقرة : 238 . وليس للنكاح عقدة محسوسة ولا أنشوطتها في كف
ولي الزوج
الحسية ، فمن الجهل الفاضح توقف المجسم من تأويل اليد في الكتاب
والسنة .
وفي الحديث النبوي : الحجر الأسود يمين الله في أرضه ، وقد حكي اتفاق الظاهرية ، حتى
الإمام أحمد بن حنبل على وجوب تأويل هذا الحديث ، فليست
الاستعارة عار الكلمة لو
لم تكن زينتها ، ولا هي بدعا في العربية ، بل هي سنة البلغاء
من كل الأمم ، فللجميع تعابير
شكوى من يد الزمان حيث لا يد للزمان ولا جسد ،
ولهم الشكوى من يد المنون وليس بذي يد .
وقال الشاعر الجاهلي : ( وإذا المنية أنشبت أظفارها ) . . . إلخ ، وأنى للمنايا من أكف أو
أظافير ، فهل يحمل المجسم كل هذه الكلم على حقائقها اللغوية المحسوسة ، أم يختار فيها وفي
أمثالها ما نرجحه في آية : ( لما خلقت بيدي ) ( ص : 75 ) ؟
وإذا جاز المجاز في القرآن ولو مبدئيا فلنا على تأويل اليد في خصوص هذه الآية شاهدان
منها عليها ، أحدهما : جملة ( غلت أيديهم ) فإن أيدي اليهود المحسوسة لم تغل بأغلال محسوسة ،
وإنما ذلك منه كناية عن خزي وعار لحقا بهم ، وثانيهما : جملة ( ينفق ( برحمته ) كيف يشاء ) فإنه
دليل إرادة النعمة من كلمة اليد - كما اختاره الشيخ المفيد وغيره .
وفي القرآن شاهد ثالث في ( سورة الإسرى : 29 ) : ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا
تبسطها كل البسط ) . . . إلخ ، فإن مغلة اليد فيها كناية عن الشح والتقتير ، وبسطها كناية عن
التبذير والسرف في الصرف أو العطاء ، والقرآن يفسر بعضه بعضا . ش .