قد عمر ما يتذكر فيه من تذكر ، يقول فيما ذهب : لو كنت عملت
ونصبت كان ذخرا لي ، ويعصي ربه عز اسمه فيما بقي غير مكترث ( 1 ) ، إن
سقم لم يندم على العمل ( 2 ) وإن صح أمن واغتر وأخر العمل ، معجب
بنفسه ما عوفي ، وقانط إذا ابتلي ( 3 ) . إن رغب أشر ( 4 ) ، وإن بسط له هلك ،
تغلبه نفسه على ما يظن ، ولا يغلبها على ما يستيقن ( 5 ) ، لا يثق من الرزق
بما قد ضمن له ، ولا يقنع بما قسم له . لم يرغب قبل أن ينصب ، ولا ينصب فيما
يرغب . إن استغنى بطر ، وإن افتقر قنط ، فهو يبتغي الزيادة وإن لم
يشبع ( 6 ) ، ويضيع من نفسه ما هو أكره ( 7 ) . يكره الموت لإساءته ، ولا يدع
الإساءة في حياته . إن عرضت شهوته واقع الخطيئة ثم تمنى التوبة ، وإن
عرض له عمل الآخرة دافع . يبلغ في الرغبة حين يسأل ، ويقصر في العمل حين
هامش
( 1 ) أي لا يعبأ به ولا يباليه .
( 2 ) كذا ، وفي التحف : " إن سقم ندم على التفريط في العمل " . أي يتأوه
ويتأسف على ما فرط في العمل فيما مضى لسقم الذي اعترضه ، ولما عوفي من سقمه
ويقدر على العمل أمن من مكر الله تعالى ويغتر ويؤخره .
( 3 ) في البحار : " معجبا ، وقانطا " .
( 4 ) أي طغى بالنعمة أو عندها .
( 5 ) أي هو يستيقن الحساب والثواب والعقاب ، ولا يغلب نفسه على مجانبة ومتاركة
ما يفضي به إلى ذلك الخطر العظيم ، وتغلبه نفسه على السعي إلى ما يظن أن فيه لذة
عاجلة ، فواعجبا ممن يترجح عنده جانب الظن على جانب العلم وما ذاك إلا لضعف يقين
الناس وحب العاجل ( ابن أبي الحديد ) .
( 6 ) كذا ، وفيه تحريف والصواب كما في ساير نسخ الحديث " يبتغي الزيادة ولا
يشكر " وفي بعضها " وإن لم يشكر " .
( 7 ) كذا وفيه سقط والصواب : " يتكلف من الناس ما لا يعنيه ، ويضيع من نفسه
ما هو أكثر " كما في التحف وفيه " يصنع من نفسه " وهو تصحيف .