فقلت : بل رامق يا أمير المؤمنين ، ما زلت أرمقك منذ الليلة بعيني وأنظر ما
تصنع . قال : يا نوف طوبى للزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة ، قوم يتخذون
أرض الله بساطا ، وترابه وسادا ، وكتابه شعارا ، ودعاءه دثارا ( 1 ) ، وماءه طيبا ،
يقرضون الدنيا قرضا على منهاج المسيح عليه السلام ( 2 ) .
إن الله تعالى أوحى إلى عيسى عليه السلام : يا عيسى عليك بالمنهاج الأول تلحق
ملاحق المرسلين ، قل لقومك يا أخا المنذرين : أن لا يدخلوا بيتا من بيوتي إلا
بقلوب طاهرة ، وأيد نقية ، وأبصار خاشعة ، فإني لا أسمع من داع دعاني ( 3 )
ولأحد من عبادي عنده مظلمة ، ولا استجيب له دعوة ولي قبله حق لم يرده إلي .
فإن استطعت يا نوف أن لا تكون عريفا ( 4 ) ، ولا شاعرا ( 5 ) ، ولا صاحب
كوبة ، ولا صاحب عرطبة فافعل ( 6 ) .
فإن داود عليه السلام رسول رب العالمين خرج ليلة من الليالي فنظر
هامش
( 1 ) الوساد مثلثة المتكأ وكل ما يتوسد به من قماش وتراب وغير ذلك . وأصل
الشعار ما يلي البدن من الثياب ، أي يقرؤونه سرا للاعتبار بمواعظه والتفكر في دقائقه ،
والدثار ما يعلو البدن من الثياب ، والمراد منه جهرهم به إظهارا للذلة والخشوع لله تعالى .
( 2 ) أي مزقوها كما يمزق الثوب المقراض على طريق المسيح عليه السلام في
الزهادة . وفي النهج " أولئك قوم اتخذوا الأرض بساطا ، وترابها فراشا ، وماءها طيبا ،
والقرآن شعارا ، والدعاء دثارا ، ثم قرضوا الدنيا قرضا على منهاج المسيح " .
( 3 ) في البحار : " دعاءه " .
( 4 ) العريف : القيم بأمور القبيلة أو الجماعة من الناس يلي أمورهم ويتعرف الأمير
منه أحوالهم .
( 5 ) كذا في جميع النسخ والبحار ، وفي نهج البلاغة : " شرطيا " بضم فسكون
نسبة إلى الشرطة واحد الشرط كرطب وهم أعوان الحاكم .
( 6 ) الكوبة : بفتح فسكون : الطبل ، والعرطبة : الطنبور . وقد قيل أيضا :
أن العرطبة الطبل ، والكوبة الطنبور .