كان قريبا من الجبل بصفين ( 1 ) فحضرت صلاة المغرب ، فأمعن ( 2 ) بعيدا ، ثم
أذن ، فلما فرغ من أذانه إذا رجل مقبل نحو الجبل ، أبيض الرأس واللحية
والوجه ، فقال : السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته ، مرحبا بوصي
خاتم النبيين ، قائد الغر المحجلين ( 3 ) ، والأغر المأمون ( 4 ) ، والفاضل الفائز
بثواب الصديقين ، وسيد الوصيين . فقال له أمير المؤمنين عليه السلام : وعليك السلام
كيف حالك ؟ فقال : بخير ، أنا منتظر روح القدس ، ولا أعلم أحدا أعظم في الله
عز وجل اسمه بلاء ، ولا أحسن ثوابا منك ، ولا أرفع عند الله مكانا ، اصبر
يا أخي على ما أنت فيه حتى تلقى الحبيب ، فقد رأيت أصحابنا ما لقوا بالأمس
من بني إسرائيل ، نشروهم بالمناشير ، وحملوهم على الخشب ، ولو يعلم هذه
الوجوه التربة الشايهة ( 5 ) وأومأ بيده إلى أهل الشام ما أعد لهم في قتالك
من عذاب وسوء نكال لأقصروا ، ولو تعلم هذه الوجوه المبيضة وأومأ بيده
هامش
( 1 ) ما بين أعالي العراق والشام تقع الصفين ، تلك البلدة التي خلدها التاريخ ،
وخلدت هي تاريخا ظاهرا في حياة الأمة العربية والخلافة الإسلامية ، وألوان المذاهب
الدينية والسياسية التي ولدتها حرب صفين ، ونشرت أطيافها في ربوع الدولة الإسلامية ،
تلك الحرب التي استنفدت من تاريخ الدم المهراق مائة يوم وعشرة أيام ، بلغت فيها
الوقائع تسعين وقعة فيما يذكر المؤرخون ( معجم البلدان ) .
( 2 ) أي فأبعد .
( 3 ) قال في النهاية : " ومنه الحديث " غر محجلون من آثار الوضوء " الغرة
جمع الأغر ، من الغرة : بياض الوجه ، يريد بياض وجوهم بنور الوضوء يوم القيامة " .
( 4 ) قال في النهاية : " فيه المؤمن غر كريم " أي ليس بذي نكر فهو ينخدع لانقياده
ولينه ، ويريد أنه المحمود من طبعه الغرارة وقلة الفطنة للشر وترك البحث عنه ، وليس
ذلك منه جهلا ولكنه كرم وحسن خلق " . أقول : في بعض النسخ والبحار ، " الأعز
المأمون " .
( 5 ) التربة : الفقيرة ، كأنها لصقت بالتراب . الشائهة : القبيحة المتنكرة .