ووجه عدم تماميته هو ما ذكرناه غير مرّة من أنّه لا طريق لنا إلى إحراز ملاكات
الأحكام أصلاً مع قطع النظر عن ثبوتها ، وعليه فلا طريق لنا إلى استكشاف أنّ الواجب
المأخوذ فيه القدرة عقلاً واجد للملاك في مقام المزاحمة ، والواجب المأخوذ فيه
القدرة شرعاً فاقد له ، لينتج من ذلك أنّ وجوب الأوّل فعلي دون الثاني .
أضف إلى هذا أنّ تقديم أحد المتزاحمين على الآخر بمرجح لا يرتكز بوجهة نظر مذهب دون
آخر ، بل يعم جميع المذاهب والآراء ، ضرورة عدم اختصاص البحث في مسألة التزاحم بوجهة
نظر مذهب العدلية من تبعية الأحكام للملاكات الواقعية ، بل يعمّ البحث عنها وجهة نظر
جميع المذاهب حتّى مذهب الأشعري المنكر لتبعية الأحكام للمصالح والمفاسد
الواقعيتين . وعلى هذا فلا وجه لما أفاده شيخنا الاُستاذ ( قدس سره ) من جعل
التقديم مبنيّاً على وجهة نظر مذهبنا .
أمّا أنّ أصل الحكم بالتقديم في هذه الموارد صحيح فلأجل أنّه لا مانع من فعلية
وجوب ما هو المشروط بالقدرة عقلاً في مقام المزاحمة مع الواجب المشروط بالقدرة
شرعاً ، لفرض أنّه غير مشروط بشيء ما عدا القدرة التكوينية عليه ، وهي موجودة ، وهذا
بخلاف وجوب ما هو المشروط بالقدرة شرعاً ، فانّ المانع من فعلية وجوبه موجود ، وهو
فعلية وجوب ذاك الواجب ، لفرض أنّها توجب عجز المكلف عن الاتيان به في الخارج ،
وعليه فلا يكون قادراً عليه ، ومع انتفاء القدرة ينتفي الوجوب لا محالة ، لاستحالة
بقاء الحكم مع انتفاء موضوعه . هذا هو وجه التقديم في تلك الموارد ، وترى أنّه لا
يبتني على وجهة نظر مذهب دون آخر . ولا يفرق فيه بين أن يكون الواجب المشروط بالقدرة
شرعاً أهم منه أو لا يكون أهم ، كما أنّه لا يفرق بين أن يكون متأخراً عنه
محاضرات في أصول الفقه تقريراً لأبحاث السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي ( موسوعة الإمام الخوئي ) — صفحة 44
مساهمون: الشيخ محمد إسحاق الفياض
ص٤٤