مبدأ افتقار كل ممكن إلى علّة تامّة واستحالة وجوده بدونها ، ولا فرق في ذلك بين
إرادته تعالى وإرادة غيره . نعم ، فرق بينهما من ناحية أُخرى ، وهي أنّ إرادته
سبحانه عين ذاته ، ومن هنا تكون العلّة في الحقيقة هي ذاته ، وحيث إنّها واجبة من
جميع الجهات وكافة الحيثيات فبطبيعة الحال يجب صدور الفعل منه على ضوء مبدأ أنّ
الشيء ما لم يجب لم يوجد .
ومن ناحية ثالثة : أنّهم قد التزموا بتوحيد أفعاله تعالى على ضوء مبدأ أنّ الواحد
لا يصدر منه إلاّ الواحد واستحالة صدور الكثير منه .
فالنتيجة على ضوء هذه النواحي : هي ضرورة صدور الفعل منه واستحالة انفكاكه عنه ،
وهذا معنى الجبر وواقعه الموضوعي في أفعاله سبحانه .
وإن شئت قلت : إنّ الإرادة الأزليّة لو كانت علّة تامّة لأفعاله تعالى لخرجت تلك
الأفعال عن إطار قدرته سبحانه وسلطنته ، بداهة أنّ القدرة لا تتعلق بالواجب وجوده
أو المستحيل وجوده ، والمفروض أنّ تلك الأفعال واجبة وجودها من جهة وجوب وجود
علّتها ، حيث إنّ علّتها - وهي الإرادة الأزلية على نظريّتهم - واجبة الوجود وعين
ذاته سبحانه ، وتامّة من كافّة الحيثيات والنواحي ولا يتصور فيها النقص أبداً ،
فإذا كانت العلّة كذلك فبطبيعة الحال يحكم على هذه الأفعال الحتم والوجوب ، ولا
يعقل فيها الاختيار ، ومن الواضح أنّ مردّ هذا إلى إنكار قدرة الله تعالى وسلطنته .
ومن هنا قلنا إنّ أفعاله تعالى تصدر منه بالاختيار وإعمال القدرة ، وذكرنا أنّ
إرادته تعالى ليست ذاتية بل هي عبارة عن المشيئة وإعمال القدرة ، كما أنّا ذكرنا
أنّ معنى تمامية سلطنته تعالى من جميع الجهات وعدم تصور النقص فيها ليس وجوب صدور
الفعل منه ، بل معناها عدم افتقار ذاته سبحانه إلى غيره ، وأنّه سلطان بالذات دون
غيره فانّه فقير بالذات والفقر كامن في صميم ذاته .
محاضرات في أصول الفقه تقريراً لأبحاث السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي ( موسوعة الإمام الخوئي ) — صفحة 414
مساهمون: الشيخ محمد إسحاق الفياض
ص٤١٤