وما شاكلها ليست من مبادئ وجوده وتحققه في النفس كي يوجد فيها قهراً عند وجود هذه
الصفات ، بل هو مباين لها ، كيف حيث إنّه فعل النفس وتحت سلطانها ، وهذا بخلاف تلك
الصفات فانّها أُمور خارجة عن إطار اختيار النفس وسلطانها .
وعلى ضوء هذه النواحي يظهر أنّ ما أفاده ( قدس سره ) من أنّ الاختيار على تقدير
انفكاكه عن النفس يلزم كون النفس مع هذه الصفات علّةً ناقصةً لا تامّة ، مع أنّ
المعلول لا يوجد إلاّ بوجود علّته التامّة ، خاطئ جداً ، والسبب في ذلك :
أوّلاً : ما تقدّم من أنّ الاختيار ذاتي للنفس فلا يعقل انفكاكه عنها ، وليس حاله
من هذه الناحية حال سائر الأفعال الاختيارية .
وثانياً : ما عرفت بشكل واضح من أنّ الفعل لا يفتقر في وجوده إلى وجود علّة تامّة
له ، بل هو يحتاج إلى وجود فاعل ، والمفروض أنّ النفس فاعل له . فإذن لا معنى لما
أفاده ( قدس سره ) من أنّ الفعل ممكن وكل ممكن يحتاج إلى علّة تامّة .
وإن أصررت على ذلك وأبيت إلاّ أن يكون للشيء علّة تامّة ، ويستحيل وجوده بدونها
فنقول : إنّ العلّة التامّة للفعل إنّما هي إعمال القدرة والسلطنة بتحريك القوّة
العضلاتية نحوه ، ومن الطبيعي أنّ الفعل يتحقق بها ويجب وجوده ، ولكن بما أنّ وجوب
وجوده مستند إلى الاختيار ومعلول له فلا ينافي الاختيار .
فالنتيجة : هي أنّ الممكن وإن كان بكافة أنواعه وأشكاله يفتقر من صميم ذاته إلى
علّة تامّة له ، إلاّ أنّ العلّة التامّة في الأفعال الاختيارية حيث إنّها الاختيار
وإعمال القدرة ، فبطبيعة الحال تكون ضرورتها من الضرورة بشرط الاختيار ، ومن الواضح
أنّ مثل هذه الضرورة يؤكّد الاختيار .
محاضرات في أصول الفقه تقريراً لأبحاث السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي ( موسوعة الإمام الخوئي ) — صفحة 411
مساهمون: الشيخ محمد إسحاق الفياض
ص٤١١