عن الفاعل بالاختيار وإعمال القدرة لا تنحصر بالجواهر والأعراض ، فانّ الأُمور
الاعتبارية فعل صادر عن المعتبر بالاختيار ، ومع ذلك ليست بموجودة في الخارج فضلاً
عن كونها قائمة بنفسها أو بموجود آخر . وعلى هذا فلا ملازمة بين عدم قيام فعل بنفسه
ولا بموجود آخر وبين قيامه بذات الفاعل قيام الصفة بالموصوف أو الحال بالمحل ، لما
عرفت من أنّ الأُمور الاعتبارية فعل للمعتبر على رغم أنّ قيامها به قيام صدور
وإيجاد ، لا قيام صفة أو حال ، فليكن الاختيار من هذا القبيل ، حيث إنّه فعل
اختياري على الرغم من عدم قيامه بنفسه ولا بموجود آخر ، بل يقوم بذات المختار قيام
صدور وإيجاد .
فالنتيجة لحدّ الآن : هي أنّ ما ذكره ( قدس سره ) من الوجوه غير تام .
الوجه الثاني : أنّ أفعال العباد لا تخلو من أن تكون متعلقةً لإرادة الله سبحانه
وتعالى ومشيئته أو لا تكون متعلقة لها ولا ثالث لهما ، فعلى الأوّل لا بدّ من
وقوعها في الخارج ، لاستحالة تخلف إرادته سبحانه عن مراده ، وعلى الثاني يستحيل
وقوعها ، فانّ وقوع الممكن في الخارج بدون إرادته تعالى محال حيث لا مؤثر في الوجود
إلاّ الله ، ونتيجة ذلك أنّ العبد مقهور في إرادته ولا اختيار له أصلاً .
والجواب عن ذلك : أنّ أفعال العباد لا تقع تحت إرادته ( سبحانه وتعالى ) ومشيئته ،
والوجه فيه : ما تقدّم بشكل مفصّل ( 1 ) من أنّ إرادته تعالى ليست من الصفات العليا
الذاتية ، بل هي من الصفات الفعلية التي هي عبارة عن المشيئة وإعمال القدرة ، وعليه
فبطبيعة الحال لا يمكن تعلّق إرادته تعالى بها لسببين :
الأوّل : أنّ الأفعال القبيحة كالظلم والكفر وما شاكلهما التي قد تصدر من
هامش
( 1 ) في ص 377 .