وقد يورد على ذلك : باستلزامه الدور ، بيانه : أنّ من المعلوم بالضرورة أنّ الوضع
وحده لا يكفي للتبادر ولا يكون علّة تامّة له ، فانّ الموجب للتبادر هو العلم
بالوضع لا نفسه ، فلو انتفى العلم به انتفى التبادر ، فينتج أنّ التبادر في الحقيقة
معلول للعلم بالوضع ، فلو كان العلم بالوضع متوقفاً عليه لدار .
وأجاب عنه المحقق صاحب الكفاية ( قدس سره ) ( 1 ) بوجهين :
الأوّل : أنّ التبادر عند العالم بالوضع علامة الحقيقة للجاهل به ، فالمستعلم يرجع
في ذلك إلى العالم بالوضع ، كما هو طريقة دارجة بين أهل المحاورة في مقام استعلام
اللغات الأجنبية وتعاليمها ، وبذلك يندفع الدور من أصله .
الثاني : أنّ التبادر وإن كان متوقفاً على العلم بالوضع لا محالة إلاّ أنّ ذلك
العلم ارتكازي مكنون في خزانة النفس ، وثابت في حافظة أهل كل لغة بالقياس إلى
لغاتهم ، وهم يستعملون تلك اللغات في معانيها حسب ذلك الارتكاز من دون التفات
تفصيلي منهم إلى خصوصيات تلك المعاني من حيث السعة والضيق ، فإذا حصل الالتفات منهم
إلى خصوصيات تلك المعاني حصل لهم العلم تفصيلاً بها ، وبذلك تحصل المغايرة بين
العلمين فارتفع الدور من البين .
ثمّ لا يخفى أنّ تبادر المعنى من نفس اللفظ من دون قرينة لا يثبت به إلاّ وضع اللفظ
لذلك المعنى ، وكون استعماله فيه حقيقياً في زمان تبادره منه ، وأمّا وضعه لذلك
المعنى في زمان سابق عليه فلا يثبت بالتبادر المتأخر ، فلا بدّ في إثبات ذلك من
التشبث بالاستصحاب القهقرى الثابت حجيته في خصوص باب الظهورات بقيام السيرة
العقلائية وبناء أهل المحاورة عليه ، فانّهم يتمسّكون بذلك الاستصحاب في موارد
الحاجة ما لم تقم حجة أقوى على خلافه ، بل
هامش
( 1 ) كفاية الأُصول : 18 .