وكيف يحتمل المسلم أن يكون بيع البستان الفلاني صحيحاً إذا كان لنفسه أو للمالك ولو
لم يجزه مالكه ، ويكون بيع الجار دار جاره ماضياً مع عدم إجازة صاحبها ، فهذا ممّا
لا يحتمله عاقل ولا يحتاج إلى نهي ، وعليه فالنهي وارد في خصوص ما إذا كان البيع
للمالك مع إجازته ، والفرض أنّ هذه الصورة بخصوصها وقعت مورداً للجواز في الروايات
المتقدّمة فتكون النسبة بينهما هي التباين لا محالة ، هذا .
ولا يخفى عليك أنّ ما أفاده ( قدّس سرّه ) ذهول عن طريقة الجاهلين ومن جهة عدم
التوجّه إلى أفعال الظالمين والمسلمين غير المبالين بالدين ، أفلا ينهبون أموال
الناس ويبيعونها والناس يشترون منهم ، وهذا في زماننا كثير فكيف بزمان الجاهلية
فإنّ النهب والسرقة كان شعارهم وكانوا يفتخرون بذلك بينهم ، أفلا يصحّ مع ذلك أن
ينهاهم النبي ( صلّى الله عليه وآله ) بقوله « لا تبع ما ليس عندك » ومن الظاهر أنّ
نهيه ( صلّى الله عليه وآله ) بمكان من الصحّة والمتانة ليرتدعوا بذلك عن بيع أموال
الناس ، وعليه فالنسبة بينهما عموم وخصوص فيتقدّم الروايات عليه لا محالة ، هذا .
وربما يقال ( 1 ) إنّ النسبة بينهما هو العموم من وجه ، لأنّ الحديث عام من جهة عدم
تخصيصه النهي بصورة الإجازة وعدمها ، بل نهى عن البيع مطلقاً سواء تعقّبه الإجازة
أم لا ، وخاصّ من جهة أنّه بمعنى لا تبع مال الناس فعلا لتشتريه من مالكه بعد ذلك
فتدفعه إلى المشتري ، وبالجملة أنّه ينهى عن خصوص البيع لنفسه ، وأمّا الروايات
المتقدّمة فهي عامّة من جهة عدم تخصيصها بخصوص البيع لنفسه ، بل قد صرّحت بجوازه
سواء باعه لنفسه أو باعه لمالكه ، ولكنّها خاصّة من جهة تقيّدها بصورة الإجازة من
المالك ، ومع ذلك كيف تتقدّم الروايات على الحديث ، هذا .
ولا يخفى أنّه يرد على ذلك وجوه قد تنبّه المستشكل لبعضها :
هامش
( 1 ) كما في حاشية المكاسب للايرواني 2 : 230 .