العرف .
ولكنّك قد عرفت في البحث عن معنى حرمة البيع ( 1 ) أنّه لا تجوز المعاملة على الأفعال المحرّمة ، كالكذب والغيبة والزنا وغيرها ، فإنّ الأدلّة الدالّة على حرمتها لا تجتمع مع العمومات الدالّة على صحّة المعاملات ولزومها ، فإنّ مقتضى هذه العمومات نفوذ المعاملة الواقعة على الأفعال المحرّمة ولزومها ، وأدلّة المحرّمات تقتضي المنع عن إيجادها في الخارج ، فهما متناقضان . ومع الإغضاء عن ذلك فهما لا يجتمعان في نظر العرف .
وهذا المحذور لا يجري في الواجبات ، فإنّه لا تنافي بينها وبين العمومات المذكورة ، كما لا منافاة بينها وبين الأوامر العبادية ، وقد أوضحنا ذلك آنفاً ، وعليه فالتكاليف التحريمية وإن كانت تسلب القدرة الشرعية عن المكلّف ، ولكن التكاليف الوجوبية لا تنافيها ، بل تساعدها وتضاعفها .
وقد يتوهّم أنّه لا فارق في عدم القدرة على التسليم بين تعلّق الإجارة بالمحرّمات والواجبات ، فإنّ المكلّف في كليهما يكون عاجزاً شرعاً عن إيجاد متعلّق التكليف ، إذ القدرة لا بدّ وأن تكون متساوية النسبة إلى الطرفين : الفعل أو الترك .
وفيه : أنّ اعتبار القدرة على التسليم إن كان مدركه الإجماع فإنّ المتيقّن منه - على فرض تحقّقه - إمكان وصول العمل المستأجر عليه إلى المستأجر ، فلا يدلّ على اشتراط كونه تحت اختيار الأجير فعلا وتركاً . وإن كان مدركه اقتضاء العقد بداهة وجوب الوفاء بتسليم العمل ، فقد عرفت أنّ الوجوب لا ينافيه ، بل يتأكّد كلّ منهما بالآخر . وإن كان مدركه النبوي المشهور « نهى النبي عن بيع الغرر » ( 2 ) . ففيه
هامش
( 1 ) في ص 37 .
( 2 ) الوسائل 17 : 448 / أبواب آداب التجارة ب 40 ح 3 .