والوجه في ذلك : أنّ حديث رفع الإكراه والاضطرار مسوق للامتنان على الأُمّة ، ومن المعلوم أنّ دفع الضرر عن نفسه بالإضرار بغيره على خلاف الامتنان فلا يكون مشمولا للحديث ، ثم إنّه ( رحمه الله ) اختار الوجه الأول ، واستدلّ عليه بوجوه سنذكرها .
وتحقيق المقام يقع في ثلاث نواح :
الناحية الأُولى : أن يتوجّه الضرر ابتداءً إلى أحد من غير أن يكون لفعل الآخر مدخل فيه ، كتوجّه السيل إلى داره أو بستانه ، وكتوجّه الظلمة أو السرّاق إلى نهب أمواله أو هتك أعراضه . ولا شبهة في أنّ هذا القسم من الضرر لا يجوز دفعه بالإضرار بغيره تمسّكاً بأدلّة نفي الإكراه والضرر والحرج ، بداهة أنّها مسوقة للامتنان على جنس الأُمّة ، وبديهي أنّ دفع الضرر المتوجّه إلى أحد بالإضرار بغيره خلاف الامتنان على الأُمّة ، فلا يكون مشمولا للأدلّة المذكورة .
على أنّه لو جاز لأحد أن يدفع الضرر عن نفسه ولو بالإضرار بالغير لجاز للآخر ذلك أيضاً ، لشمول الأدلّة لهما معاً ، فيقع التعارض في مضمونها ، وحينئذ فالتمسّك بها لدفع الضرر عن أحد الطرفين بالإضرار بالآخر ترجيح بلا مرجّح وعليه فلا بدّ من رفع اليد عن إطلاقها في مورد الاجتماع ، ويرجع فيه إلى أدلّة حرمة التصرّف في أموال الناس وأعراضهم وشؤونهم .
نعم إذا كان الضرر المتوجّه إلى الشخص ممّا يجب دفعه على كل أحد ، كقتل النفس المحترمة وما يشبهه ، وأمكن دفعه بالإضرار بالغير ، كان المقام حينئذ من صغريات باب التزاحم ، فيرجع إلى قواعده .
الناحية الثانية : أن يتوجّه الضرر ابتداءً إلى الغير ، على عكس الصورة السابقة . وقد ظهر حكم ذلك من الناحية الأُولى كما هو واضح .
الناحية الثالثة : أن يتوجّه الضرر إلى الغير ابتداءً ، وإلى المكرَه على تقدير
مصباح الفقاهة في المعاملات تقريرا لأبحاث السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي — صفحة 675
مساهمون: الشيخ ميرزا محمد علي التوحيدي التبريزي
ص٦٧٥