حقّقنا في مبحث الواجب المشروط من علم الأُصول ( 1 ) أنّ الشروط في الواجبات المشروطة إمّا أن ترجع إلى الإنشاء ، أعني به إبراز الاعتبار النفساني . وإمّا أن ترجع إلى متعلّق الوجوب ، أي المادّة المحضة ، كما في الواجب المعلّق على ما نسب إلى المصنّف في التقريرات ( 2 ) . وإمّا أن ترجع إلى المنشأ ، وهو ما اعتبره في النفس ثمّ أبرزه بالإنشاء ، فيكون مرجع القيد في قولنا : إن جاءك زيد فأكرمه ، هو وجوب الإكرام ، فيصير مقيّداً بمجيء زيد .
أمّا الأول فهو محال ، لأنّ الإنشاء من الأُمور التكوينية التي يدور أمرها بين الوجود والعدم ، فإذا أوجده المتكلّم استحال أن يتوقّف وجوده على شيء آخر لاستحالة انقلاب الشيء عمّا هو عليه .
وأمّا الثاني فهو وإن كان ممكناً في مرحلة الثبوت ، ولكنّه خلاف ظاهر الأدلّة في مقام الإثبات ، ولا يمكن المصير إليه بدون دليل وقرينة . إذن فيتعيّن الاحتمال الثالث .
وهذا الكلام بعينه جار في القضايا المشروطة من الجمل الخبرية أيضاً ، فإنّ إرجاع القيد فيها إلى نفس الإخبار - أي الألفاظ المظهرة للدعاوي النفسانية - غير معقول ، لتحقّقه بمجرد التكلّم بالقضية الشرطية ، ولا يعقل بعد ذلك أن تكون موقوفة على حصول قيد أو شرط .
وأمّا إرجاعه إلى متعلّق الخبر وهو وإن كان سائغاً في نفسه ، ولكنّه خلاف ظاهر القضايا الشرطية . وحينئذ فيتعيّن إرجاعه إلى المخبر به ، وهو الدعاوي النفسانية . مثلا إذا قال أحد : إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود ، فإنّ معناه أنّ
هامش
( 1 ) محاضرات في أُصول الفقه 2 ( موسوعة الإمام الخوئي 44 ) : 146 وما بعدها .
( 2 ) مطارح الأنظار : 45 ، 46 ، 52 .