النهي عن المنكر وردعه عن المعاصي ، أو لا ؟ مقتضى العمل بالإطلاقات المتقدّمة الدالّة على نفي الغيبة عن المتجاهر بالفسق هو الثاني ، إذ لم تقيّد بالقصد المذكور ، كما أنّ ذلك أيضاً مقتضى ما ذكرنا من خروج ذكر المتجاهر بالفسق عن تعريف الغيبة موضوعاً ، إذ لم يتقيّد عنوان الغيبة بأكثر من كونها كشفاً لما ستره الله .
الثاني : هل تجوز غيبة المتجاهر في جميع ما ارتكبه من المعاصي وإن لم يتجاهر إلاّ في بعضها كما عن الحدائق ( 1 ) ، أو لا تجوز إلاّ فيما تجاهر فيه كما عن الشهيد الثاني ( رحمه الله ) ( 2 ) ؟
وفصّل المصنّف بين المعاصي التي هي دون ما تجاهر فيه في القبح وبين غيرها فيجوز اغتيابه في الأول ، ولا يجوز اغتيابه في الثاني . ومثاله : من تجاهر باللواط جاز اغتيابه بالتعرّض للأجنبيات ، ومن تجاهر بقطع الطرق جاز اغتيابه بالسرقة ومن تجاهر بكونه جلاّد سلطان الجور - يقتل الناس ، ويمثّل بهم ، وينكّل - جاز اغتيابه بشرب الخمر والزنا واللواط ، ومن تجاهر بنفس المعصية جاز اغتيابه في مقدّماتها ، ومن تجاهر بالمعاصي الكبيرة جاز اغتيابه بالتعرّض لجميع القبائح . ولعلّ هذا هو المراد من قوله ( صلّى الله عليه وآله ) : « من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له » ( 3 ) لا من تجاهر بمعصية خاصّة وعدّ مستوراً في غيرها ، كبعض عمّال الظلمة . انتهى ملخّص كلامه .
أقول : أمّا القول بالتفصيل المذكور فلا دليل عليه بوجه ، فإنّ بعض الناس قد يتجاهر بالذنوب الكبيرة ، كقتل النفوس المحترمة ، وشرب الخمور ، وأكل أموال
هامش
( 1 ) الحدائق 18 : 166 - 167 .
( 2 ) كشف الريبة : 75 ، المسالك 6 : 87 .
( 3 ) تقدّمت مصادره في ص 518 الهامش رقم ( 4 ) .