والوجه فيه : أنّ المطلقات المتقدّمة ( 1 ) وإن اقتضت حرمة التصوير مطلقاً ، إلاّ أنّك قد عرفت أنّها مقيّدة بالروايات المعتبرة كصحيحة محمد بن مسلم : « لا بأس ما لم يكن شيئاً من الحيوان » ( 2 ) وغيرها ، وقد عرفت ذلك آنفاً ، وعليه فنفي البأس عن تصوير غير الحيوان يقتضي اندراج الملك والجن تحت الحكم بالجواز ، فإنّ من الواضح أنّهما ليسا من جنس الحيوان .
وفيه : أنّ المراد من الحيوان هنا ما هو المعروف في مصطلح أهل المعقول من كونه جسماً حسّاساً متحرّكاً بالإرادة ، ومن البديهي أنّ هذا المفهوم يصدق على كل مادّة ذات روح ، سواء كانت من عالم العناصر أم من عالم آخر هو فوقه ، وعليه فلا قصور في شمول صحيحة محمد بن مسلم للملك والجنّ والشيطان ، فيحكم بحرمة تصويرهم .
ودعوى أنّ الملك من عالم المجرّدات فليس له مادّة - كما اشتهر في ألسنة الفلاسفة - دعوى جزافية ، فإنه مع الخدشة في أدلّة القول بعالم المجرّدات ما سوى الله كما حقّق في محلّه ، أنه مخالف لظاهر الشرع ، ومن هنا حكم المجلسي ( رحمه الله ) ( 3 ) في اعتقاداته بكفر من أنكر جسمية الملك . وتفصيل الكلام في محلّه .
وإن أبيت إلاّ إرادة المفهوم العرفي من الحيوان فاللازم هو القول بانصرافه عن الإنسان أيضاً ، كانصرافه عن الملك والجن ، ولذا قلنا : إنّ العمومات الدالّة على حرمة الصلاة في أجزاء ما لا يؤكل لحمه منصرفة عن الإنسان قطعاً ، مع أنه لم يقل أحد هنا بالانصراف ، فتحصّل : أنه لا يجوز تصوير الملك والجن .
هامش
( 1 ) في ص 346 .
( 2 ) تقدّمت في ص 348 .
( 3 ) الاعتقادات : 22 .