قوله : مع أنه لو عم المتنجّس لزم أن يخرج عنه أكثر الأفراد .
أقول : لا يلزم من خروج المتنجّسات كلّها من الآية تخصيص الأكثر فضلا عمّا إذا كان الخارج بعضها ، فإنّ الخارج منها عنوان واحد ينطبق على جميع أفراد المتنجّس انطباق الكلّي على أفراده ، نعم لو كان الخارج من عموم الآية كل فرد فرد من أفراده لزم المحذور المذكور .
ومنها قوله تعالى : ( وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ) ( 1 ) بناء على شمول الرجز للأعيان النجسة والمتنجّسة . وقد ظهر الجواب عنها من كلامنا على الآية السابقة . ثم إنّ نسبة الهجر إلى الأعيان الخارجية لا تصح إلاّ بالعناية والمجاز ، بخلاف نسبته إلى الأعمال فإنّها على نحو الحقيقة ، وعليه فالمراد من الآية خصوص الهجر عن الأعمال القبيحة والأفعال المحرّمة ، ولا تشمل الأعيان المحرّمة .
ويحتمل أن يراد من الرجز العذاب ، كما في قوله تعالى : ( فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنْ السَّمَاءِ ) ( 2 ) وقد صرّح بذلك بعض أهل اللغة كصاحب القاموس ( 3 ) وغيره ، وعلى هذا فالمراد من هجر العذاب هجر موجباته ، كما أُريد من المسارعة إلى المغفرة ومن الاستباق إلى الخيرات المسارعة والاستباق إلى أسبابهما في آيتيهما ( 4 ) .
هامش
( 1 ) المدثر 74 : 5 .
( 2 ) البقرة 2 : 59 .
( 3 ) القاموس المحيط 2 : 176 مادّة الرجز .
( 4 ) وهما قوله تعالى في آل عمران 3 : 133 ( وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَة مِنْ رَبِّكُمْ ) والبقرة 2 : 148 ( فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ) .