شرح
وحيث إنّ فهم الحدّ المزبور وأنّ هذا موضع يسمع فيه الأذان أو لا يسمع صعب على المسافر جدّاً ، كان التعليق على عدم السماع قليل الجدوى ، لكونه من التعليق على أمر لا يقع خارجاً غالباً .
فمن ثمّ ذكر في صحيح ابن مسلم ضابط آخر يسهل تناوله لكلّ أحد ، ويكون كاشفاً قطعيّاً عن حصول ذلك الحدّ ، لكونه القدر المتيقّن من البُعد اللَّازم رعايته وهو التواري عن البيوت الذي هو أخصّ من عدم سماع الأذان ، لكون البعد في مورده أزيد كما مرّ .
فإذا بلغ المسافر موضعاً خفيت عليه الجدران وتوارى عن البيوت إذا نظر إليها وهذا شيء يعرفه كلّ أحد فقد أحرز بلوغه بل وتجاوزه عن الموضع الذي لا يسمع فيه الأذان ، الذي هو الحدّ الواقعي للترخّص . وبذلك تندفع المعارضة بين هذه الصحيحة وبين تلك الأخبار التي جعل فيها المدار على عدم سماع الأذان .
فإن أمكن الجمع بهذا النحو فهو ، وإلَّا فتصل النوبة إلى المعارضة . ولا ينبغي الشكّ حينئذ في تقديم تلك الأخبار لكثرتها وشهرتها ، بل ومعروفية التحديد بخفاء الأذان ومغروسيته في الأذهان عند أصحاب الأئمة ، بحيث كان أمراً مسلَّماً مفروغاً عنه كما يظهر من رواية إسحاق بن عمار المتقدّمة ، المشتملة على قول السائل : « أليس قد بلغوا الموضع الذي لا يسمعون فيه أذان مصرهم » وإن كانت الرواية ضعيفة السند كما مرّ ، فلا تصلح إلَّا للتأييد ، هذا .
مع أنّ تلك الأخبار موافقة للنصوص الكثيرة المتضمّنة لوجوب التقصير على كلّ مسافر ، للزوم الاقتصار في مقام التخصيص على المقدار المتيقّن ، وهو بلوغ الموضع الذي لا يسمع فيه الأذان ، إذ لا ريب أنّ تلك الأخبار بمثابة التخصيص في أدلَّة عموم القصر لكلّ مسافر . ومن ثمّ لو لم يرد دليل على اعتبار حدّ الترخّص لقلنا بوجوب التقصير من أوّل خروج المسافر من البلد أخذاً