وأخبروهم باتّباع قريش لهم ، فأجابوهم إلى ذلك . وخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب ، وخرجت غطفان وقائدها عينة بن حصن والحرث بن عوف ووبرة بن طريف .
فلمّا سمع رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم باجتماع الأحزاب عليه وقوّة عزيمتهم ، استشار أصحابه ، فأجمعوا على المقام بالمدينة وحرب القوم على أنقابها ، وأشار سلمان الفارسي بالخندق ، فأمر صلى الله عليه وآله وسلم بحفره ، وعمل فيه بنفسه ، وظهرت له معجزات باهرة ، وأقبلت الأحزاب من فوق المسلمين ومن تحتهم ، فهال المسلمين أمرهم ، وارتاعوا من كثرتهم ، كما حكم اللّه - عزّ وجلّ - إذ قال سبحانه في قصّتهم : «
إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً
» « 1 » .
وظهر في ذلك اليوم خون المنافقين ، وقالوا في رسول اللّه ما قالوا حتّى أنزل اللّه قرآنا يتلى آناء الليل وأطراف النهار : «
وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً
» « 2 » إلى آخر عشر آيات من سورة الأحزاب .
وأقام الأحزاب بمكانهم بضعا وعشرين ليلة لم يكن منهم إلّا الرمي بالنبل والحصر .
ثمّ خرج عمرو بن عبد ودّ - وكان شجاع العرب لا ينازع في ذلك - وعكرمة بن أبي جهل ، وهبيرة بن وهب ، وضرار بن الخطّاب ، ومرداس الفهري ، حتّى مرّوا بمنازل كنانة ، فقالوا : تهيّأوا يا بني كنانة للحرب ، ثمّ أقبلوا تعنق بهم خيلهم ، فاقتحموا الخندق ، ثمّ جعلوا يجولون بين الخندق والمدينة ، والمسلمون وقوف كأ نّما على رؤوسهم الطير ، حتّى همّ كثير منهم بالهرب ، ولقد كانوا عاهدوا اللّه من قبل لا يولّون الأدبار ، وكان عهد اللّه مسؤولا «
قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ
هامش
( 1 ) - و 2 . الأحزاب 10 : 33 - 13 .
( 2 ) -