فقالت : وما ذاك ؟
قال : أنا مسلم بن عقيل ، كذّبني هؤلاء القوم وغرّوني .
قالت : أأنت مسلم ؟
قال : نعم ! واللّه إنّي لمسلم .
فأدخلته بيتا من دارها وفرشت له ، وعرضت عليه العشاء فلم يتعشّ .
وجاء ابنها - وهو بلال بن أسيد الحضرمي - فعلم بمكان مسلم ، فوشى بذلك إلى ابن زياد لعنه اللّه ، فأحضر محمّد بن الأشعث وضمّ إليه ستّين أو سبعين رجلا وأنفذه لإحضار مسلم .
فلمّا بلغوا دار المرأة وسمع مسلم وقع حوافر الخيل ، خرج إليهم بسيفه ، واقتحموا عليه الدار ، فشدّ عليهم حتّى أخرجهم منها ، ثمّ عادوا إليه ، فشدّ عليهم كذلك ، واختلف هو وبكير بن حمران الأحمري ضربتين ، فضرب بكير فم مسلم فقطع شفته العليا وبلغ السيف شفته السفلى ، وضربه مسلم على رأسه ضربة منكرة وثنّى بأخرى على حبل العاتق .
وجعل يحاربهم حتّى قتل منهم جماعة ، فلمّا رأوا ذلك أشرفوا عليه من فوق ظهر البيوت ، فأخذوا يرمونه بالحجارة ، ويلهبون النار في أطناب القصب فيرمونها عليه ، فخرج إليهم مصلتا سيفه ، فقاتلهم في السكّة وهو يقول :
أقسمت لا اقتل إلّا حرّا
وإن رأيت الموت شيئا نكرا
كلّ امرئ يوما ملاق شرّا
ويخلط البارد سخنا مرّا
أخاف أن اكذب أو اغرّا
أضربكم ولا أخاف ضرّا
فناداه ابن الأشعث : إنّك لا تكذب ولا تغرّ ولك الأمان ، فلم يلتفت إلى ذلك وتكاثروا عليه ، فطعنه رجل من خلفه ، وانتزعوا سيفه ، وكأ نّه عند ذلك يئس من نفسه ، فدمعت عيناه ثمّ قال : هذا أوّل الغدر ، أين أمانكم ؟ إنّا للّه وإنّا إليه راجعون ، وبكى .