شرح
ولا نريد أن نقول أنه كلب بالفعل ليقال إنه لو كان كلباً فعلًا لم نحتج إلى الاستصحاب ، بل حكمنا بنجاسته حسب الدليل الاجتهادي ، كما لا نريد أنه ملح كذلك ليقال : إن مع العلم بالاستحالة نعلم بطهارته فلا حاجة أيضاً إلى الأصل ، بل نريد أن نقول إنه كان كلباً سابقاً ولا منافاة بين العلم بالكلبية السابقة وبين الشك في الكلبية فعلًا . بل دعوى العلم بكونه كلباً سابقاً صحيحة حتى مع العلم بالاستحالة الفعلية نظير قوله عزّ من قائل : * ( أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ) * ( 1 )( 1 ) القيامة 75 : 37 .حيث أُطلقت النطفة على الإنسان المستحيل منها فكأنه قال للإنسان : إنك كنت نطفة مع العلم باستحالتها إنساناً . نعم الأثر إنما يترتب على كونه كلباً سابقاً فيما إذا شككنا في الاستحالة دون ما إذا علمنا أن المادة المشتركة قد خلعت الصورة الكلبية وتلبست بصورة نوعية أخرى ، هذا كله في الشبهات الموضوعية .
وأمّا الشبهات المفهومية فلا سبيل فيها إلى الاستصحاب ، لا في ذات الموضوع ولا في الموضوع بوصف كونه موضوعاً ولا في حكمه . مضافاً إلى ما نبهنا عليه غير مرّة من عدم جريان الاستصحاب في الأحكام الكلية الإلهيّة .
أمّا عدم جريانه في ذات الموضوع الخارجي فلأنه وإن تعلق به اليقين إلَّا أنه ليس متعلِّقاً للشك بوجه للعلم بزوال وصف من أوصافه واتصافه بوصف جديد ، حيث لم تكن العذرة مثلًا محروقة فاحترقت ، ومع عدم تعلق الشك به لا يجري فيه الاستصحاب ، لتقوّمه باليقين السابق والشك اللَّاحق ولا شك في الموضوع كما عرفت .
وأما عدم جريانه في الموضوع بوصف كونه موضوعاً ، فلأنه عبارة أُخرى عن استصحاب الحكم ، فان الموضوع بوصف كونه موضوعاً لا معنى له سوى ترتب الحكم عليه ، ويتّضح بعد سطر عدم جريان الاستصحاب في الحكم .
وأما عدم جريانه في نفس الحكم فلأنا وإن كنّا عالمين بترتب النجاسة على العذرة سابقاً وقبل إحراقها ونشك في بقائه ، إلَّا أن القضية المتيقنة والمشكوك فيها يعتبر إحراز اتحادهما ، ومع الشك في بقاء الموضوع لا مجال لإحراز الاتحاد ، لاحتمال أن