شرح
مندفعة بأنهما وإن وردتا في الحدثية من الطهارة ، إلَّا أن الكلام في المقام إنّما هو في هيئة صيغة الطهور لا في مادتها ، سواء أكانت مادتها بمعنى الخبثية أم كانت بمعنى الحدثية ، فالتكلَّم في مادتها أجنبي عمّا هو محط البحث في المقام . وقد عرفت أن الهيئة في الطهور بمعنى ما تنشأ منه الطهارة وما يحصل به المبدأ .
الجهة الثانية من المناقشات : أنّ الآية على تقدير دلالتها فإنّما تدلّ على طهورية الماء المنزل من السماء وهو المطر ، فلا دلالة فيها على طهورية مياه الأرض من ماء البحر والبئر ونحوهما .
وهذه المناقشة لا ترجع إلى محصّل ، وذلك لما ورد في جملة من الآيات وبعض الروايات ( 1 )( 1 ) ففي البرهان المجلد 3 ص 112 عن تفسير علي بن إبراهيم ما هذا نصه : « ثم قال : وعنه وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكنّاه في الأرض فهي الأنهار والعيون والآبار » ولا يرد عدم اشتمال الرواية على ماء البحر ، فإنّه إنّما يتشكل من الأنهار ، فلا يكون قسماً آخر في مقابلها .من أن المياه بأجمعها نازلة من السماء ، إما بمعنى أن الله خلق الماء في السماء فهناك بحار وشطوط ثم أنزله إلى الأرض فتشكَّل منه البحار والأنهار والشطوط والآبار ، أو بمعنى أن الله خلق الماء في الأرض إلَّا أنّه بعد ما صار أبخرة باشراق الشمس ونحوه صعد إلى السماء فاجتمع وصار ماء ، ثم نزل إلى الأرض كما هو مذهب الحكماء والفلاسفة ، وهذا المعنى لا ينافي نزول الماء من السماء لأنّه بمعنى نزول أمره من السماء . ويدلُّ عليه قوله تعالى : * ( وأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ومَنافِعُ لِلنَّاسِ ) * ( 2 )( 2 ) الحديد 57 : 25 .فإنّه لم يتوهّم أحد ولا ينبغي أن يتوهّم نزول نفس الحديد من السماء .
ومن جملة الآيات الدالَّة على ما ادعيناه من نزول المياه بأجمعها من السماء قوله تعالى : * ( وإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ) * ( 3 )( 3 ) الحجر 15 : 21 .وقوله تعالى : * ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الأَرْضِ ) * ( 4 )( 4 ) الزمر 39 : 21 .وقوله تعالى :