تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الفتاوى — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
وَأَمَّا إبْدَالُ بِنَائِهِ بِبِنَاءِ آخَرَ ؛ فَإِنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ بَنَيَا مَسْجِدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَاءً غَيْرَ بِنَائِهِ الْأَوَّلِ وَزَادَا فِيهِ ؛ وَكَذَلِكَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَائِشَةَ : لَوْلَا أَنَّ قَوْمَك حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لَنَقَضْت الْكَعْبَةَ وَلَأَلْصَقْتهَا بِالْأَرْضِ ؛ وَلَجَعَلْت لَهَا بَابَيْنِ بَاباً يَدْخُلُ النَّاسُ مِنْهُ وَبَاباً يَخْرُجُ النَّاسُ مِنْهُ } . فَلَوْلَا الْمُعَارِضُ الرَّاجِحُ لَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُغَيِّرُ بِنَاءَ الْكَعْبَةِ . فَيَجُوزُ تَغْيِيرُ بِنَاءِ الْوَقْفِ مِنْ صُورَةٍ إلَى صُورَةٍ ؛ لِأَجْلِ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ . وَأَمَّا إبْدَالُ الْعَرْصَةِ بِعَرْصَةِ أُخْرَى : فَهَذَا قَدْ نَصَّ أَحْمَد وَغَيْرُهُ عَلَى جَوَازِهِ اتِّبَاعاً لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ فَعَلَ ذَلِكَ عُمَرَ وَاشْتُهِرَتْ الْقَضِيَّةُ وَلَمْ تُنْكَرْ . وَأَمَّا مَا وُقِفَ لِلْغَلَّةِ إذَا أُبْدِلَ بِخَيْرِ مِنْهُ : مِثْلَ أَنْ يَقِفَ دَاراً أَوْ حَانُوتاً أَوْ بُسْتَاناً أَوْ قَرْيَةً يَكُونُ مُغَلُّهَا قَلِيلاً فَيُبَدِّلَهَا بِمَا هُوَ أَنْفَع لِلْوَقْفِ : فَقَدْ أَجَازَ ذَلِكَ أَبُو ثَوْرٍ وَغَيْرِهِ مِن العُلَمَاءِ : مِثْلَ أَبِي عُبَيْدٍ فِي حرمويه ، قَاضِي مِصْرَ ، وَحَكَمَ بِذَلِكَ . وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَد فِي تَبْدِيلِ الْمَسْجِدِ مِنْ عَرْصَةٍ إلَى عَرْصَةٍ لِلْمَصْلَحَةِ ؛ بَلْ إذَا جَازَ أَنْ يُبَدِّلَ الْمَسْجِدَ بِمَا لَيْسَ بِمَسْجِدِ لِلْمَصْلَحَةِ بِحَيْثُ يَصِيرُ الْمَسْجِدُ سُوقاً فَلَأَنْ يَجُوزَ إبْدَالُ الْمُسْتَغَلِّ بِمُسْتَغَلِّ آخَرَ أَوْلَى وَأَحْرَى . وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِهِ فِي إبْدَالِ الْهَدْيِ بِخَيْرِ مِنْهُ . وَقَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ الْمَسْجِدَ اللَّاصِقَ بِأَرْضِ إذَا رَفَعُوهُ وَبَنَوْا تَحْتَهُ سِقَايَةً وَاخْتَارَ ذَلِكَ الْجِيرَانُ : فُعِلَ ذَلِكَ . لَكِنْ مِنْ أَصْحَابِهِ مِنْ مَنْعِ إبْدَالِ الْمَسْجِدِ وَالْهَدْيِ وَالْأَرْضِ الْمَوْقُوفَةِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ ؛ لَكِنَّ النُّصُوصَ وَالْآثَارَ وَالْقِيَاسَ تَقْتَضِي جَوَازَ الْإِبْدَالِ لِلْمَصْلَحَةِ . وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 253 | ابن تيمية