كَانَ حَالِفاً مَظْلُوماً ؛ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ : قَاتِلْ أَهْلَ الْكِتَابِ وَعَادِهِمْ وَأَبْغِضْهُمْ إلَّا أَنْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ .
كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ عَائِداً إلَى الْجُمْلَةِ الْأُولَى فَقَطْ وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ : { لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً } وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ فِي الظَّاهِرِ عَائِدٌ إلَى الْجُمْلَةِ الْأُولَى .
وَقَالَ سُبْحَانَهُ : { بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } { فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ } - إلَى قَوْلِهِ - { إلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلَى مُدَّتِهِمْ } وَلَيْسَ هَذَا مُسْتَثْنًى مِمَّا يَلِيه ؛ بَلْ مِنْ أَوَّلِ الْكَلَامِ .
وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي قَوْلِهِ : { لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إلَّا قَلِيلاً } إنَّ { قَلِيلاً } عَائِدٌ إلَى قَوْلِهِ : { وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ } { إلَّا قَلِيلاً } وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ عَائِدٌ إلَى جُمْلَةٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ جُمَلٌ أُخْرَى .
" وَالْمُقَدَّمُ فِي الْقُرْآنِ وَالْمُؤَخَّرُ " بَابٌ مِن العِلْمِ وَقَدْ صَنَّفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ : مِنْهُمْ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرُهُ وَهُوَ مُتَضَمِّنٌ هَذَا .
وَشِبْهُهُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ مُؤَخَّراً فِي اللَّفْظِ مُقَدَّماً فِي النِّيَّةِ .
ثُمَّ التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ وَالْفَصْلُ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِجُمْلَةِ مُعْتَرِضَةٍ وَبَيْنَ غَيْرِهِمَا : لَا يُنْكِرُهُ إلَّا مَنْ لَمْ يَعْرِفْ اللُّغَةَ وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ : { وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ
مجموعة الفتاوى — صفحة 162
مساهمون: ابن تيمية
ص١٦٢