الثَّانِي قَوْله تَعَالَى { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً } فَإِنَّ الْخَلْقَ ثَابِتٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَنْ النَّاسِ ؛ وَكُلّاً مِنْهُمْ مُخَاطَبٌ بِالْعِبَادَةِ وَالطَّهَارَةِ ؛ وَلَيْسَ كُلُّ وَاحِدٍ مَنْ الْأُمَّةِ أُمَّةً وَسَطاً .
وَلَا خَيْرَ أُمَّةٍ .
ثُمَّ الْعُمُومُ الْمُقَابِلُ بِعُمُومِ آخَرَ قَدْ يُقَابِلُ كُلَّ فَرْدٍ مِنْ هَذَا بِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ هَذَا كَمَا فِي قَوْلِهِ : { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ } فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِن المُؤْمِنِينَ آمَنَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِن المَلَائِكَةِ وَالْكُتُبِ وَالرُّسُلِ .
وَقَدْ يُقَابِلُ الْمَجْمُوعَ بِالْمَجْمُوعِ بِشَرْطِ الِاجْتِمَاعِ مِنْهُمَا ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ : { قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا } فَإِنَّ الِالْتِقَاءَ ثَبَتَ لِكُلِّ مِنْهُمَا حَالَ اجْتِمَاعِهِمَا .
وَقَدْ يُقَابِلُ شَرْطَ الِاجْتِمَاعِ مِنْ أَحَدِهِمَا كَقَوْلِهِ : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } فَإِنَّ مَجْمُوعَ الْأُمَّةِ خَيْرٌ لِلنَّاسِ مُجْتَمِعِينَ وَمُنْفَرِدِينَ .
وَقَدْ يُقَابِلُ الْمَجْمُوعَ بِالْمَجْمُوعِ بِتَوْزِيعِ الْأَفْرَادِ عَلَى الْأَفْرَادِ فَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِن العمومين وَاحِدٌ مِن العُمُومِ الْآخَرِ كَمَا يُقَالُ : لَبِسَ النَّاسُ ثِيَابَهُمْ وَرَكِبَ النَّاسُ دَوَابَّهُمْ .
فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رَكِبَ دَابَّتَهُ وَلَبِسَ ثَوْبَهُ .
وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ : النَّاسُ يُحِبُّونَ أَوْلَادَهُمْ .
أَيْ : كُلُّ وَاحِدٍ يُحِبُّ وَلَدَهُ ؛ وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ } أَيْ كُلُّ وَالِدَةٍ تُرْضِعُ وَلَدَهَا ؛ بِخِلَافِ مَا لَوْ قُلْت : النَّاسُ يُعَظِّمُونَ الْأَنْبِيَاءَ ؛ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُعَظِّمُ كُلَّ وَاحِدٍ مَنْ الْأَنْبِيَاءِ .
فَقَوْلُ الْوَاقِفِ : عَلَى أَوْلَادِهِ ؛ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمْ : قَدْ اقْتَضَى تَرْتِيبَ
مجموعة الفتاوى — صفحة 128
مساهمون: ابن تيمية
ص١٢٨