أَحَدُهُمَا : أَنَّ تَقْبِيلَ الْأَرْضِ وَالشَّجَرِ لَيْسَ هُوَ عَقْداً عَلَى عَيْنٍ وَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ إجَارَةِ الْأَرْضِ لِلِازْدِرَاعِ فَالْعَيْنُ هِيَ مَقْصُودُ الْمُسْتَأْجِرِ ؛ فَإِنَّهُ إنَّمَا اسْتَأْجَرَ الْأَرْضَ لِيَحْصُلَ لَهُ الزَّرْعُ ؛ لَكِنَّ الْعَقْدَ وَرَدَ عَلَى الْمَنَافِعِ الَّتِي هِيَ شِبْهُ هَذِهِ الْأَعْيَانِ .
الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنْ يُقَالَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ إجَارَةَ الظِّئْرِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ وَكَيْفَ يُقَالُ : وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ إجَارَةٌ مَنْصُوصَةٌ فِي شَرِيعَتِنَا إلَّا إجَارَةُ الظِّئْرِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } .
وَإِنَّمَا ظَنَّ مَنْ ظَنَّ أَنَّهَا خِلَافَ الْقِيَاسِ حَيْثُ تَوَهَّمَ أَنَّ الْإِجَارَةَ لَا تَكُونُ إلَّا عَلَى مَنْفَعَةٍ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ؛ بَلْ الْإِجَارَةُ تَكُونُ عَلَى كُلِّ مَا يُسْتَوْفَى مَعَ بَقَاءِ أَصْلِهِ سَوَاءٌ كَانَتْ عَيْناً أَوْ مَنْفَعَةً .
فَلَمَّا كَانَ لَبَنُ الظِّئْرِ يُسْتَوْفَى مَعَ بَقَاءِ الْأَصْلِ وَنَقْعُ الْبِئْرِ يُسْتَوْفَى مَعَ بَقَاءِ الْأَصْلِ : جَازَتْ الْإِجَارَةُ عَلَيْهِ كَمَا جَازَتْ عَلَى الْمَنْفَعَةِ ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَعْيَانَ يُحْدِثُهَا اللَّهُ شَيْئاً بَعْدَ شَيْءٍ وَأَصْلُهَا بَاقٍ كَمَا يُحْدِثُ اللَّهُ الْمَنَافِعَ شَيْئاً بَعْدَ شَيْءٍ وَأَصْلُهَا بَاقٍ ؛ وَلِهَذَا جَازَ وَقْفُ هَذِهِ الْأُصُولِ لِاسْتِثْنَاءِ هَذِهِ الْفَوَائِدِ أَعْيَانِهَا وَمَنَافِعِهَا .
فَإِنْ قِيلَ : فَهَذَا يَقْتَضِي جَوَازَ إجَارَةِ الْحَيَوَانِ لِشُرْبِ لَبَنِهِ .
قِيلَ : وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ أَيْضاً .
وَالْمُزَارَعَةُ إنَّمَا تَكُونُ بِدَلِيلِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 230
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٣٠