الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ هَذِهِ مِنْ جِنْسِ الْمُضَارَبَةِ .
فَإِنَّهَا عَيْنٌ تَنْمُو بِالْعَمَلِ عَلَيْهَا فَجَازَ الْعَمَلُ عَلَيْهَا بِبَعْضِ نَمَائِهَا كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالْمُضَارَبَةِ جَوَّزَهَا الْفُقَهَاءُ كُلُّهُمْ اتِّبَاعاً لِمَا جَاءَ فِيهَا عَنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مَعَ أَنَّهُ لَا يُحْفَظُ فِيهَا بِعَيْنِهَا سُنَّةٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَلَقَدْ كَانَ أَحْمَد يَرَى أَنْ يَقِيسَ الْمُضَارَبَةَ عَلَى الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ لِثُبُوتِهَا بِالنَّصِّ فَتُجْعَلُ أَصْلاً يُقَاسُ عَلَيْهِ وَإِنْ خَالَفَ فِيهِمَا مَنْ خَالَفَ .
وَقِيَاسُ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ صَحِيحٌ .
فَإِنَّ مَنْ ثَبَتَ عِنْدَهُ جَوَازُ أَحَدِهِمَا أَمْكَنَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ فِيهِ حُكْمَ الْآخَرِ لِتَسَاوِيهِمَا .
فَإِنْ قِيلَ : الرِّبْحُ فِي الْمُضَارَبَةِ لَيْسَ مِنْ عَيْنِ الْأَصْلِ ؛ بَلْ الْأَصْلُ يَذْهَبُ وَيَجِيءُ بَدَلُهُ .
فَالْمَالُ الْمُقَسَّمُ حَصَلَ بِنَفْسِ الْعَمَلِ ؛ بِخِلَافِ الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ فَإِنَّهُ مِنْ نَفْسِ الْأَصْلِ .
قِيلَ : هَذَا الْفَرْقُ فَرْقٌ فِي الصُّورَةِ وَلَيْسَ لَهُ تَأْثِيرٌ شَرْعِيٌّ ، فَإِنَّا نَعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ الْمَالَ الْمُسْتَفَادَ إنَّمَا حَصَلَ بِمَجْمُوعِ مَنْفَعَةِ بَدَنِ الْعَامِلِ وَمَنْفَعَةِ رَأْسِ الْمَالِ ؛ وَلِهَذَا يَرُدُّ إلَى رَبِّ الْمَالِ مِثْلَ رَأْسِ مَالِهِ وَيَقْتَسِمَانِ الرِّبْحَ كَمَا أَنَّ الْعَامِلَ يَبْقَى بِنَفْسِهِ الَّتِي هِيَ نَظِيرُ الدَّرَاهِمِ .
وَلَيْسَتْ إضَافَةُ الرِّبْحِ إلَى عَمَلِ بَدَنِ هَذَا بِأَوْلَى مِنْ إضَافَتِهِ إلَى مَنْفَعَةِ مَالِ هَذَا .
وَلِهَذَا فَالْمُضَارَبَةُ الَّتِي تَرْوُونَهَا عَنْ عُمَرَ : إنَّمَا حَصَلَتْ بِغَيْرِ عَقْدٍ لَمَّا
مجموعة الفتاوى — صفحة 101
مساهمون: ابن تيمية
ص١٠١