وَالتَّجْرِبَةُ تَدُلُّ عَلَى مِثْلِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ .
فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ فَرُّوا فِي هَذَا الْعَامِ لَمْ يَنْفَعْهُمْ فِرَارُهُمْ ؛ بَلْ خَسِرُوا الدِّينَ وَالدُّنْيَا وَتَفَاوَتُوا فِي الْمَصَائِبِ .
وَالْمُرَابِطُونَ الثَّابِتُونَ نَفَعَهُمْ ذَلِكَ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا حَتَّى الْمَوْتُ الَّذِي فَرُّوا مِنْهُ كَثُرَ فِيهِمْ .
وَقَلَّ فِي الْمُقِيمِينَ .
فَمَا مَنَعَ الْهَرَبُ مَنْ شَاءَ اللَّهُ .
وَالطَّالِبُونَ لِلْعَدُوِّ وَالْمُعَاقِبُونَ لَهُ لَمْ يَمُتْ مِنْهُمْ أَحَدٌ وَلَا قُتِلَ ؛ بَلْ الْمَوْتُ قَلَّ فِي الْبَلَدِ مِنْ حِينِ خَرَجَ الْفَارُّونَ .
وَهَكَذَا سُنَّةُ اللَّهِ قَدِيماً وَحَدِيثاً .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : { وَإِذاً لَا تُمَتَّعُونَ إلَّا قَلِيلاً } يَقُولُ : لَوْ كَانَ الْفِرَارُ يَنْفَعُكُمْ لَمْ يَنْفَعْكُمْ إلَّا حَيَاةً قَلِيلَةً ثُمَّ تَمُوتُونَ .
فَإِنَّ الْمَوْتَ لَا بُدَّ مِنْهُ .
وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْحَمْقَى أَنَّهُ قَالَ : فَنَحْنُ نُرِيدُ ذَلِكَ الْقَلِيلَ .
وَهَذَا جَهْلٌ مِنْهُ بِمَعْنَى الْآيَةِ .
فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَقُلْ : إنَّهُمْ يُمَتَّعُونَ بِالْفِرَارِ قَلِيلاً .
لَكِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ أَبَداً .
ثُمَّ ذَكَرَ جَوَاباً ثَانِياً .
أَنَّهُ لَوْ كَانَ يَنْفَعُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إلَّا مَتَاعٌ قَلِيلٌ .
ثُمَّ ذَكَرَ جَوَاباً ثَالِثاً وَهُوَ أَنَّ الْفَارَّ يَأْتِيهِ مَا قُضِيَ لَهُ مِن المَضَرَّةِ وَيَأْتِي الثَّابِتُ مَا قُضِيَ لَهُ مِن المَسَرَّةِ .
فَقَالَ : { قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً } .
وَنَظِيرُهُ : قَوْلُهُ فِي سِيَاقِ آيَاتِ الْجِهَادِ : { أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ } الْآيَةَ وَقَوْلُهُ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
مجموعة الفتاوى — صفحة 454
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٥٤