الْخُمُورِ وَسَبِّ السَّلَفِ وَسَبِّ جُنُودِ الْمُسْلِمِينَ وَالتَّجَسُّسِ لَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَدَلَّالَتِهِمْ عَلَى أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ وَحَرِيمِهِمْ .
وَأَخْذِ أَمْوَالِ النَّاسِ وَتَعْذِيبِهِمْ وَتَقْوِيَةِ دَوْلَتِهِمْ الْمَلْعُونَةِ وَإِرْجَافِ قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْفِتْنَةِ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : { وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولاً } وَهَذِهِ حَالُ أَقْوَامٍ عَاهَدُوا ثُمَّ نَكَثُوا قَدِيماً وَحَدِيثاً فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ .
فَإِنَّ فِي الْعَامِ الْمَاضِي وَفِي هَذَا الْعَامِ : فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ كَانَ مِنْ أَصْنَافِ النَّاسِ مَنْ عَاهَدَ عَلَى أَنْ يُقَاتِلَ وَلَا يَفِرَّ ثُمَّ فَرَّ مُنْهَزِماً لَمَّا اشْتَدَّ الْأَمْرُ .
ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لَا تُمَتَّعُونَ إلَّا قَلِيلاً } فَأَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّ الْفِرَارَ لَا يَنْفَعُ لَا مِن المَوْتِ وَلَا مِن القَتْلِ .
فَالْفِرَارُ مِن المَوْتِ كَالْفِرَارِ مِن الطَّاعُونِ .
وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا وَقَعَ بِأَرْضِ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَاراً مِنْهُ } وَالْفِرَارُ مِن القَتْلِ كَالْفِرَارِ مِن الجِهَادِ .
وَحَرْفُ " لَنْ " يَنْفِي الْفِعْلَ فِي الزَّمَنِ الْمُسْتَقْبَلِ .
وَالْفِعْلُ نَكِرَةٌ .
وَالنَّكِرَةُ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ تَعُمُّ جَمِيعَ أَفْرَادِهَا .
فَاقْتَضَى ذَلِكَ : أَنَّ الْفِرَارَ مِن المَوْتِ أَوْ الْقَتْلِ لَيْسَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ أَبَداً .
وَهَذَا خَبَرُ اللَّهِ الصَّادِقِ .
فَمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُهُ فَقَدْ كَذَبَ اللَّهَ فِي خَبَرِهِ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 453
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٥٣