تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الفتاوى — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
قَالَ بَعْضُهُمْ :
أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ذَنْباً لَسْت مُحْصِيهِ * رَبَّ الْعِبَادِ إلَيْهِ الْوَجْهُ وَالْعَمَلُ
وَقَدْ اسْتَعْمَلَ هُنَا أَرْبَعَةَ أَلْفَاظٍ : إسْلَامُ الْوَجْهِ ؛ وَإِقَامَةُ الْوَجْهِ ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ } . وَقَوْلُهُ : { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا } وَتَوْجِيهُ الْوَجْهِ كَقَوْلِ الْخَلِيلِ : { إنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } . وَكَذَلِكَ كَانَ { النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي دُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ فِي صَلَاتِهِ : { وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } } . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنْ { النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا يَقُولُ إذَا أَوَى إلَى فِرَاشِهِ : اللَّهُمَّ أَسْلَمْت نَفَسِي إلَيْك وَوَجَّهْت وَجْهِي إلَيْك } . فَالْوَجْهُ يَتَنَاوَلُ الْمُتَوَجِّهَ وَالْمُتَوَجَّهَ إلَيْهِ وَيَتَنَاوَلُ الْمُتَوَجَّهَ نَفْسَهُ كَمَا يُقَالُ : أَيُّ وَجْهٍ تُرِيدُ ؟ أَيْ : أَيُّ وُجْهَةٍ وَنَاحِيَةٍ تَقْصِدُ : وَذَلِكَ أَنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ . فَحَيْثُ تَوَجَّهَ الْإِنْسَانُ تَوَجَّهَ وَجْهُهُ ؛ وَوَجْهُهُ مُسْتَلْزِمٌ لِتَوَجُّهِهِ ؛ وَهَذَا فِي بَاطِنِهِ وَظَاهِرِهِ جَمِيعاً . فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أُمُورٍ . وَالْبَاطِنُ هُوَ الْأَصْلُ وَالظَّاهِرُ هُوَ الْكَمَالُ وَالشِّعَارُ فَإِذَا تَوَجَّهَ قَلْبُهُ إلَى شَيْءٍ تَبِعَهُ وَجْهُهُ الظَّاهِرُ فَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ قَصْدُهُ وَمُرَادُهُ وَتَوَجُّهُهُ إلَى اللَّهِ فَهَذَا صَلَاحُ إرَادَتِهِ وَقَصْدُهُ
مجموعة الفتاوى — صفحة 176 | ابن تيمية