فَيَصْعَدُ إلَى سَطْحِ الْجِلْدِ فَيَخْرُجُ بِالْحِجَامَةِ .
وَالْأَرْضُ الْبَارِدَةُ يَغُورُ الدَّمُ فِيهَا إلَى الْعُرُوقِ هَرَباً مِن البَرْدِ فَإِنَّ شِبْهَ الشَّيْءِ مُنْجَذِبٌ إلَيْهِ كَمَا تَسْخُنُ الْأَجْوَافُ فِي الشِّتَاءِ وَتَبْرُدُ فِي الصَّيْفِ فَأَهْلُ الْبِلَادِ الْبَارِدَةِ لَهُمْ الْفِصَادُ وَقَطْعُ الْعُرُوقِ كَمَا لِلْبِلَادِ الْحَارَّةِ الْحِجَامَةُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي شَرْعٍ وَلَا عَقْلٍ .
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْفِطْرَ بِالْحِجَامَةِ عَلَى وَفْقِ الْأُصُولِ وَالْقِيَاسِ وَأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْفِطْرِ بِدَمِ الْحَيْضِ وَالِاسْتِقَاءَةِ وبالاستمناء .
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَبِأَيِّ وَجْهٍ أَرَادَ إخْرَاجَ الدَّمِ أَفْطَرَ كَمَا أَنَّهُ بِأَيِّ وَجْهٍ أَخْرَجَ الْقَيْءَ أَفْطَرَ سَوَاءٌ جَذَبَ الْقَيْءَ بِإِدْخَالِ يَدِهِ أَوْ بِشَمِّ مَا يُقَيِّئُهُ أَوْ وَضَعَ يَدَهُ تَحْتَ بَطْنِهِ وَاسْتَخْرَجَ الْقَيْءَ فَتِلْكَ طُرُقٌ لِإِخْرَاجِ الْقَيْءِ وَهَذِهِ طُرُقٌ لِإِخْرَاجِ الدَّمِ وَلِهَذَا كَانَ خُرُوجُ الدَّمِ بِهَذَا وَهَذَا سَوَاءً فِي ( بَابِ الطَّهَارَةِ ) .
فَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ كَمَالُ الشَّرْعِ وَاعْتِدَالُهُ وَتَنَاسُبُهُ وَأَنَّ مَا وَرَدَ مِن النُّصُوصِ وَمَعَانِيهَا فَإِنَّ بَعْضَهُ يُصَدِّقُ بَعْضاً وَيُوَافِقُهُ { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً } .
وَأَمَّا الْحَاجِمُ فَإِنَّهُ يَجْتَذِبُ الْهَوَاءَ الَّذِي فِي الْقَارُورَةِ بِامْتِصَاصِهِ وَالْهَوَاءُ يَجْتَذِبُ مَا فِيهَا مِن الدَّمِ فَرُبَّمَا صَعِدَ مَعَ الْهَوَاءِ شَيْءٌ مِن الدَّمِ وَدَخَلَ فِي حَلْقِهِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ وَالْحِكْمَةُ إذَا كَانَتْ خَفِيَّةً أَوْ مُنْتَشِرَةً عُلِّقَ الْحُكْمُ
مجموعة الفتاوى — صفحة 257
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٥٧