وَهُوَ الصَّوَابُ قَوْلُ مَنْ جَعَلَ ذَلِكَ تَرْكاً لِلْأَوْلَى أَوْ كَرِهَ ذَلِكَ .
فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَنَهْيِهِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ ذَلِكَ وَقَوْلِهِ : { مَنْ صَامَ الدَّهْرَ فَلَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ } وَغَيْرَهَا صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَشْرُوعِ .
وَمَنْ حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ صَوْمُ الْأَيَّامِ الْخَمْسَةِ فَقَدْ غَلِطَ فَإِنَّ صَوْمَ الدَّهْرِ لَا يُرَادُ بِهِ صَوْمُ خَمْسَةِ أَيَّامٍ فَقَطْ وَتِلْكَ الْخَمْسَةُ صَوْمُهَا مُحَرَّمٌ وَلَوْ أَفْطَرَ غَيْرَهَا فَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا لِكَوْنِ ذَلِكَ صَوْماً لِلدَّهْرِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْهَى عَنْ صَوْمِ أَكْثَرِ مِن ثَلَاثِمِائَةِ يَوْمٍ وَالْمُرَادُ خَمْسَةٌ بَلْ مِثَالُ هَذَا مِثَالُ مَنْ قَالَ : ائْتِنِي بِكُلِّ مَنْ فِي الْجَامِعِ وَأَرَادَ بِهِ خَمْسَةً مِنْهُمْ وَأَيْضاً فَإِنَّهُ عَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّك إذَا فَعَلْت ذَلِكَ : هَجَمَتْ لَهُ الْعَيْنُ وَنَفِهَتْ لَهُ النَّفْسُ وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ فِي سَرْدِ الصَّوْمِ لَا فِي صَوْمِ الْخَمْسَةِ .
وَأَيْضاً فَإِنَّ فِي الصَّحِيحِ { أَنَّ سَائِلاً سَأَلَهُ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ .
فَقَالَ مَنْ صَامَ الدَّهْرَ فَلَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ قَالَ : فَمَنْ يَصُومُ يَوْمَيْنِ وَيُفْطِرُ يَوْماً فَقَالَ : وَمَنْ يُطِيقُ ذَلِكَ قَالَ : فَمَنْ يَصُومُ يَوْماً وَيُفْطِرُ يَوْمَيْنِ فَقَالَ : وَدِدْت أَنِّي طُوِّقْت ذَلِكَ فَقَالَ : فَمَنْ يَصُومُ يَوْماً وَيُفْطِرُ يَوْماً فَقَالَ : ذَلِكَ أَفْضَلُ الصَّوْمِ } فَسَأَلُوهُ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ ثُمَّ عَنْ صَوْمِ ثُلُثَيْهِ ثُمَّ عَنْ صَوْمِ ثُلُثِهِ ثُمَّ عَنْ صَوْمِ شَطْرِهِ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 302
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٠٢