وَأَمَّا صَوْمُ يَوْمِ الْغَيْمِ : إذَا حَالَ دُونَ مَنْظَرِ الْهِلَالِ غَيْمٌ أَوْ قَتَرٌ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِن شَعْبَانَ فَكَانَ فِي الصَّحَابَةِ مَنْ يَصُومُهُ احْتِيَاطاً وَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ يُفْطِرُ وَلَمْ نَعْلَمْ أَحَداً مِنْهُمْ أَوْجَبَ صَوْمَهُ بَلْ الَّذِينَ صَامُوهُ إنَّمَا صَامُوهُ عَلَى طَرِيقِ التَّحَرِّي وَالِاحْتِيَاطِ وَالْآثَارُ الْمَنْقُولَةُ عَنْهُمْ صَرِيحَةٌ فِي ذَلِكَ كَمَا نُقِلَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَغَيْرِهِمْ .
وَالْعُلَمَاءُ مُتَنَازِعُونَ فِيهِ عَلَى أَقْوَالٍ : مِنْهُمْ مَنْ نَهَى عَنْ صَوْمِهِ نَهْيَ تَحْرِيمٍ أَوْ تَنْزِيهٍ كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ مَنْ يَقُولُهُ مِن أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد .
وَمِنْهُمْ مَنْ يُوجِبُهُ كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِن أَصْحَابِ أَحْمَد .
وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْرَعُ فِيهِ الْأَمْرَيْنِ بِمَنْزِلَةِ الْإِمْسَاكِ إذَا غَمَّ مَطْلَعُ الْفَجْرِ وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَد فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُهُ عَلَى طَرِيقِ الِاحْتِيَاطِ اتِّبَاعاً لِابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ لَا عَلَى طَرِيقِ الْإِيجَابِ كَسَائِرِ مَا يُشَكُّ فِي وُجُوبِهِ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ فِعْلُهُ احْتِيَاطاً مِن غَيْرِ وُجُوبٍ .
وَإِذَا صَامَهُ الرَّجُلُ بِنِيَّةِ مُعَلَّقَةٍ بِأَنْ يَنْوِيَ إنْ كَانَ مِن رَمَضَانَ أَجْزَأَهُ وَإِلَّا فَلَا فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مِن رَمَضَانَ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَد وَغَيْرِهِ فَإِنَّ النِّيَّةَ تَتْبَعُ الْعِلْمَ فَمَنْ عَلِمَ مَا يُرِيدُ فِعْلَهُ نَوَاهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَعْلَمْ الشَّيْءَ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَقْصِدَهُ
مجموعة الفتاوى — صفحة 289
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٨٩