فأجمعوا على تأجيلها إلى وقتها بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم .
وهكذا كان الأمر ، وأوحى اللّه عزّ وجلّ إلى نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم بما يضمرون ، وأطلعه على ما سيكون ، لكنّ الدين لابدّ من إكماله ، والنعمة لا بدّ من إتمامها ، والرسالة لابدّ من أدائها «
لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ
» « 1 » ، «
وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ
» « 2 » .
نعم ، عهد لوصيّه وخليفته من بعده ، أن يتغمّدهم حين يعارضونه بسعة ذرعه ، ويتلقّاهم بطول أناته ، وأمره أن يصبر على استئثارهم بحقّه . وأن يتلقّى تلك المحنة بكظم الغيظ والاحتساب ؛ احتياطا على الإسلام ، وإيثارا للصالح العامّ .
وأمر الامّة بالصبر على تلك الملمّة ، كما فصّلناه في كتاب المراجعات « 3 » . وحسبك ممّا صحّ من أوامره بذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث حذيفة ( 1 ) بن اليمان : « يكون بعدي أئمّة لا يهتدون بهداي ، ولا يستنّون بسنّتي ، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس » . قال حذيفة : كيف أصنع يا رسول اللّه إن أدركت ذلك ؟
قال : « تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع له وأطع » ( 2 ) .
شرح
( 1 ) فيما أخرجه مسلم ص 120 من الجزء الثاني من صحيحه « 4 » ورواه أصحاب السنن كلّهم « 5 » .
( 2 ) إنّ من عرف ما ألمّ بالمسلمين عند فقد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، يعلم أنّ ذلك الوقت لا يسع نزاعا ، ولا يليق به إلّا الصبر على الأذى ، والغضّ على القذى ؛ لأنّ نزاع المسلمين يومئذ يؤدّي إلى اضمحلالهم ، ولذا أمرهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالصبر .
هامش
( 1 ) - . الأنفال 42 : 8 .
( 2 ) - . النور 54 : 24 .
( 3 ) - . راجع الموسوعة ج 1 ، المراجعات ، المراجعة 82 .
( 4 ) - . صحيح مسلم 1476 : 3 ، كتاب الإمارة ، ح 52 .
( 5 ) - . كالطبراني في المعجم الأوسط 422 : 3 - 423 ، ح 2914 ؛ والحاكم في المستدرك على الصحيحين 704 : 5 ، 8580 ؛ والمتّقي الهندي في كنز العمّال 61 : 6 - 62 ، ح 14842 ؛ و 223 : 11 ، ح 31305 .