ولم أر مثل ذاك اليوم يوما ولم أر مثله حقّا اضيعا « 1 » وقال اللّه تعالى : «
لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ
» « 2 » .
بهذا الشكل الحكيم بلّغ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أمر الولاية ، وبهذه الطرق السائغة بثّها في امّته ، تدرّج فيها بأحاديثه المختلفة ، وأساليبه المتنوّعة تدريجا تدريجا على حسب مقتضيات الأحوال في مقامات مختلفة ، ودواع شتّى ، لم يفاجئهم دفعة واحدة بكلام يحرجهم ويسدّ عليهم أقطار التمويه وآفاق التضليل ، بل جرى معهم على عادة الحكماء في استدراج المناوئ لهم في الرأي وتبليغه الأمر الذي يأباه .
بهذا خفّض النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من غلوائهم ، وزجر أحناء طيرهم ، ولو بادههم بالأمر دفعة واحدة ، لما أمن من معرّتهم ، فكأنّه خدّر بهذا الأسلوب أعصابهم ، فتدرّجوا معه بالقبول شيئا فشيئا ، حتّى كان يوم الغدير ، فأعلن الأمر لتلك الجماهير ، وما كان ليعلنه لولا أنّ اللّه أمره بذلك وضمن له العصمة من أذاهم بقوله عزّ من قائل : «
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ
» « 3 » فجمع صلى الله عليه وآله وسلم بحكمته البالغة بين تعيين الإمام ، وحفظ الأمن والنظام ، وما كان المعارضون يحسبون أن يقف موقفه يوم الغدير أبدا .
فلمّا وقف هذا الموقف وأدّى فيه عن اللّه ما أدّى ، رأوا أنّ معارضته في آخر حياته وقد بخعت العرب لطاعته لا تجديهم نفعا ، بل تجرّ عليهم الويلات ؛ لأ نّها توجب إمّا سقوطهم بالخصوص ، أو سقوط الإسلام والعرب عامّة ، فيفوتهم الغرض الذي كانوا يأملون ، والمنصب الذي كانوا له يعملون ؛ لهذا رأوا أنّ الصبر عن الواثبة أحجى ،
هامش
( 1 ) - . الروضة المختارة : 79 .
( 2 ) - . التوبة 48 : 9 .
( 3 ) - . المائدة 67 : 5 .