والشكر طولك ، لا إله إلّا أنت ربّ العرش العظيم .
هذا كلّه من مرامي الآية الكريمة ، وإنّما جاءت على سبيل التمثيل والتصوير تقريبا للأذهان إلى الإيمان ، وتفنّنا في البيان والبرهان ، وذلك ممّا تعلو به البلاغة فتبلغ حدّ الإعجاز .
ألا ترى كيف جعل اللّه نفسه في هذه الآية بمنزلة المشهد لهم على أنفسهم ، وجعلهم بسبب مشاهدتهم تلك الآيات البيّنات وظهورها في أنفسهم وفي خلق السماوات والأرض بمنزلة المعترف الشاهد وإن لم يكن هناك شهادة ولا إشهاد ؟ !
وباب التمثيل واسع في كلام العرب ، ولا سيّما في الكتاب والسنّة ، قال اللّه تعالى :
«
ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ
» « 1 » ؛ ضرورة أنّهم لم يشهدوا على أنفسهم بألسنتهم ، وإنّما شهدوا بألسنة أحو الهم ؛ إذ نصبوا أصنامهم حول الكعبة ؛ فكانوا يطوفون بها عراة ويقولون : لا نطوف عليها في ثياب أصبنا فيها المعاصي ، وكلّما طافوا بها شوطا سجدوا لها ، فظهر كفرهم بسبب ذلك ظهورا لا يتمكّنون من دفعه ، فكأ نّهم شهدوا به على أنفسهم .
وبهذا صحّ المجاز على سبيل التمثيل في هذه الآية .
ونحوها قوله تعالى : «
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ
» « 2 » .
إذ لا قول هنا من اللّه عزّ وجلّ ولا منهما قطعا ، وإنّما المراد أنّه سبحانه شاء تكوينهما فلم تمتنعا عليه ، وكانتا في ذلك كالعبد السامع المطيع يتلقّى الأمر من مولاه المطاع .
هامش
( 1 ) - . التوبة 17 : 9 .
( 2 ) - . فصّلت 11 : 41 .