العظام لحما ، ثمّ أنشأ كلّا منهم خلقا سويّا « 1 » قويّا ، في أحسن تقويم « 2 » ، سميعا بصيرا « 3 » ، ناطقا ، عاقلا ، مفكّرا ، مدبّرا ، عالما ، عاملا ، كاملا ، ذا حواسّ ومشاعر وأعضاء أدهشت الحكماء ، وذا مواهب عظيمة وبصائر نيّرة تميّز بين الصحيح والفاسد ، والحسن والقبيح ، وتفرّق بين الحقّ والباطل ؛ فيدرك بها آلاء اللّه في ملكوته ، وآيات صنعه جلّ وعلا في خلق السماوات والأرض ، واختلاف الليل والنهار ، وفي نظمه المستقيمة جارية في سمائه وأرضه على مناهجه الحكيمة .
وبذلك وجب أن يكونوا على بيّنة قاطعة بربوبيّته ، مانعة عن الجحود بوحدانيّته .
فكأنّه - تبارك وتعالى - إذ خلقهم على هذه الكيفيّة قرّرهم «
وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ
» فقال لهم : «
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ
» ؟
وكأ نّهم «
قالُوا بَلى شَهِدْنا
» على أنفسنا لك بالربوبيّة ، وبخعنا لعزّتك وجلالك بالعبوديّة ، نزولا على ما قد حكمت به عقولنا ، وجزمت به بصائرنا ، حيث ظهر لديها أمرك ، وغلب عليها قهرك ، فلا إله إلّا أنت ، خلقتنا من تراب ، ثمّ أخرجتنا من الأصلاب نطفة ، ثمّ علقة ، ثمّ مضغة ، ثمّ عظاما ، ثمّ كسوت العظام لحما ، ثمّ أنشأتنا خلقا آخر قد انطوى فيه العالم الأكبر .
فسبحانك سبحانك ما أسطع برهانك ، تحبّبت إلينا فدللتنا عليك بآياتك وأنت الغنيّ الحميد ، وتفضّلت علينا فدعوتنا ببيّناتك ونحن الفقراء العبيد ، ولولا أنت لم ندر ما أنت .
فلك الحمد إقرارا لك بالربوبيّة ، والحمد فضلك ، ولك الشكر بخوعا منّا بالعبوديّة ،
هامش
( 1 ) - . إشارة إلى قوله تعالى : «وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ» المؤمنون 12 : 23 - 14 .
( 2 ) - . إشارة إلى قوله تعالى : «لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ» التين 4 : 95 .
( 3 ) - . إشارة إلى قوله تعالى : «إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً» الإنسان 2 : 76 .