وأمّا العقل ، فهو أنّ الحسنى لفظ مفرد دخل عليه حرف التعريف ، فانصرف إلى المعهود السابق ، وهو دار السلام ( 1 ) . - قال : - وإذا ثبت هذا وجب أن يكون المراد من الزيادة أمرا مغايرا لكلّ ما في الجنّة من المنافع والتعظيم ، وإلّا لزم التكرار ( 2 ) ، وكلّ من قال
شرح
( 1 ) لا انصراف في الحسنى هنا إلى دار السلام قطعا بحكم أهل العرف من خاصّة وعامّة ، وإنّما يتبادر منها إلى أذهان قرّاء هذه الآية ومقرئيها ومستمعيها إنّما هي الثواب الذي يستحقّه المحسنون في الآخرة جزاء حسناتهم في الدنيا ، وأنّ الزيادة إنّما هي ما يزيدهم اللّه تعالى ، من فضله علاوة على ما يستحقّونه ، فتكون هذه الآية على حدّ قوله - عزّ من قائل - في آية أخرى : «لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ» « 1 » .
ويؤيّد ذلك ما هو المأثور في تفسيرها عن حبر الامّة وابن عمّ نبيّها عبداللّه بن عبّاس ، إذ قال - كما هو حول الآية من تفسير الرازي « 2 » - : إنّ الحسنى هنا هي الحسنة المكافئة لحسناتهم ، والزيادة عشر أمثالها .
قلت : وربما كانت سبعمائة ضعف من أمثالها إلى ما لا حدّ له من الأضعاف المضاعفة ، فإنّ اللّه - عزّ وجلّ - هو الغنيّ الذي لا تنقص خزائنه مهما أعطى ، والجواد الذي لا يزيده العطاء إلّا إعطاء وإنعاما .
وعلى هذا فلو كانت اللام في « الحسنى » للعهد لا للجنس ، لكان لفظ الحسنى منصرفا إلى الحسنى المستفادة من قوله : «لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا» ويكون المعنى «لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى» التي أحسنوها ، أي إنّ لهم مثلها بالاستحقاق ولهم زيادة عليها ؛ تفضّلا من اللّه وكرما .
وقد تكون اللام في « الحسنى » للعهد الذهني ، والتقدير : للّذين أحسنوا الحسنى المعهودة المكافئة لحسناتهم الواجبة لهم بحكم العقل والنقل ، مع زيادة أضعافها تفضّلا وكرما .
( 2 ) عرفت ممّا ذكرناه آنفا أنّ هذا غير ثابت ، وأنّه لا وجه لوجوب كون المراد من الزيادة أمرا مغايرا لكلّ ما في الجنّة ، وأنّه لا وجه لقوله : « وإلّا لزم التكرار » .
هامش
( 1 ) - . فاطر 30 : 35 .
( 2 ) - . التفسير الكبير 9 الجزء السابع عشر : 82 ، ذيل الآية 26 من سورة يونس ( 10 ) .