فَأَجَابَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - :
نَعَمْ ، حُكْمُهُ حُكْمُ أَهْلِ الْأَعْذَارِ : مِثْلِ الِاسْتِحَاضَةِ وَسَلَسِ الْبَوْلِ ؛ وَالْمَذْيِ ؛ وَالْجُرْحِ الَّذِي لَا يَرْقَأُ ؛ وَنَحْوِ ذَلِكَ .
فَمَنْ لَمْ يُمْكِنْهُ حِفْظُ الطَّهَارَةِ مِقْدَارَ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي وَلَا يَضُرُّهُ مَا خَرَجَ مِنْهُ فِي الصَّلَاةِ وَلَا يَنْتَقِضُ وَضَوْءُهُ بِذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ وَأَكْثَرُ مَا عَلَيْهِ أَنْ يَتَوَضَّأَ لِكُلِّ صَلَاةٍ .
وَقَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ وَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ وَأَمْثَالُهُمَا مِثْلُ مَنْ بِهِ رِيحٌ يَخْرُجُ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ ؛ وَكُلُّ مَنْ بِهِ حَدَثٌ نَادِرٌ .
فَمَذْهَبُ مَالِكٍ : أَنَّ ذَلِكَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ بِالْحَدَثِ الْمُعْتَادِ .
وَلَكِنَّ الْجُمْهُورَ - كَأَبِي حَنِيفَةَ ؛ وَالشَّافِعِيِّ ؛ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ - يَقُولُونَ : إنَّهُ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ أَوْ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ .
رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ وَصَحَّحَ ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِن الحُفَّاظِ ؛ فَلِهَذَا كَانَ أَظْهَرَ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مِثْلَ هَؤُلَاءِ يَتَوَضَّئُونَ لِكُلِّ صَلَاةٍ أَوْ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ .
وَأَمَّا مَا يَخْرُجُ فِي الصَّلَاةِ دَائِماً فَهَذَا لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ : أَنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ كَانَتْ تُصَلِّي وَالدَّمُ يَقْطُرُ مِنْهَا ؛ فَيُوضَعُ لَهَا طَسْتٌ يَقْطُرُ فِيهِ الدَّمُ .
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - صَلَّى وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَماً .
وَمَا زَالَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ يُصَلُّونَ فِي جِرَاحَاتِهِمْ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 221
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٢١