أَمَّا الِاسْتِهْزَاءُ وَالْمَكْرُ بِأَنْ يُظْهِرَ الْإِنْسَانُ الْخَيْرَ وَالْمُرَادُ شَرٌّ فَهَذَا إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ جَحْدِ الْحَقِّ وَظُلْمِ الْخَلْقِ فَهُوَ ذَنْبٌ مُحَرَّمٌ وَأَمَّا إذَا كَانَ جَزَاءً عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِمِثْلِ فِعْلِهِ كَانَ عَدْلاً حَسَناً قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إنَّا مَعَكُمْ إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ } { اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ } فَإِنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ .
وَقَالَ تَعَالَى : { وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً } كَمَا قَالَ : { إنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً } { وَأَكِيدُ كَيْداً } وَقَالَ : { كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ } .
وَكَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُعْتَدِي بِمِثْلِ فِعْلِهِ ؛ فَإِنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ وَهَذَا مِن العَدْلِ الْحَسَنِ وَهُوَ مَكْرٌ وَكَيْدٌ إذَا كَانَ يُظْهِرُ لَهُ خِلَافَ مَا يُبْطِنُ .
قَالَ : { كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ } فَهَذَا اللَّفْظُ أَصْلُهُ أَنَّ الْمُحَارِبِينَ يُوقِدُونَ نَاراً يَجْتَمِعُ إلَيْهَا أَعْوَانُهُمْ وَيَنْصُرُونَ وَلِيَّهُمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ فَلَا تَتِمُّ مُحَارَبَتُهُمْ إلَّا بِهَا فَإِذَا طفئت لَمْ يَجْتَمِعْ أَمْرُهُمْ ثُمَّ صَارَ هَذَا كَمَا تُسْتَعْمَلُ الْأَمْثَالُ فِي كُلِّ مُحَارِبٍ بَطَلَ كَيْدُهُ كَمَا يُقَالُ : يَدَاك أَوْكَتَا وَفُوك نَفَخَ وَمَعْنَاهُ أَنْتَ الْجَانِي عَلَى نَفْسِك .
وَكَمَا يُقَالُ : الصَّيْفَ ضَيَّعْت اللَّبَنَ مَعْنَاهُ : فَرَّطْت وَقْتَ الْإِمْكَانِ .
وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ كَانَ لَهَا مَعْنًى خَاصٌّ نُقِلَتْ بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ إلَى مَعْنًى
مجموعة الفتاوى — صفحة 471
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٧١