قُلْت : الْقَوْلُ الثَّالِثُ هُوَ فِي مَعْنَى الثَّانِي لَكِنْ جَعَلَ قَوْلَهُ : { وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ } مَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا بِمَعْنَى " مَا عَبَدْت " وَالْآخِرَ بِمَعْنَى " مَا أَعْبُدُ " لِيُطَابِقَ قَوْلَهُ لَهُمْ { لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } { وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ } .
فَلَمَّا تَبَرَّأَ مِنْ أَنْ يَعْبُدَ فِي الْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ مَا يَعْبُدُونَهُ فِي الْمَاضِي وَالْحَالِ كَذَلِكَ بَرَّأَهُمْ مِنْ عِبَادَةِ مَا يَعْبُدُ فِي الْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ .
لَكِنَّ الْعِبَارَةَ عَنْهُمْ وَقَعَتْ بِلَفْظِ الْمَاضِي .
قَالَ هَؤُلَاءِ : وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ فِي حَقِّهِ : " مَا عَبَدْت " لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّ مَا أَعْبُدُهُ فِي الْمَاضِي هُوَ الَّذِي أَعْبُدُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ .
قُلْت : أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ أَرَادُوا الْمُطَابَقَةَ كَمَا تَقَدَّمَ .
لَكِنْ إذَا أُرِيدَ بِقَوْلِهِ : { مَا عَبَدْتُمْ } مَا أُرِيدَ بِقَوْلِهِ : { مَا أَعْبُدُ } فِي أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ الْمَاضِي كَانَ التَّقْدِيرُ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ : لَا أَنَا عَابِدٌ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مَا عَبَدْتُمْ فِي الْمَاضِي .
فَيَكُونُ قَدْ نَفَى عَنْ نَفْسِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ عِبَادَةَ مَا عَبَدُوهُ فِي الْمَاضِي دُونَ مَا يَعْبُدُونَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ .
وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ : { وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ } أَيْ فِي الْمَاضِي فَسَوَاءٌ أُرِيدَ بِمَا يَعْبُدُونَ الْحَالُ أَوْ الِاسْتِقْبَالُ إنَّمَا نَفَى عِبَادَةَ مَا عَبَدُوهُ فِي الْمَاضِي .
وَهَذَا أَنْقَصُ لِمَعْنَى الْآيَةِ .
وَكَيْفَ يَتَبَرَّأُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مِنْ عِبَادَةِ مَا عَبَدُوهُ فِي الْمَاضِي فَقَطْ ؟ وَكَذَلِكَ هُمْ ؟
مجموعة الفتاوى — صفحة 548
مساهمون: ابن تيمية
ص٥٤٨